Alef Logo
ابداعات
              

بقعة بيضاء في الذاكرة .....

مرهف مينو

2009-01-27


لا أحب سرد أجزاء من حياتي .. أهمل كل قصص السير الشخصية , أضع الروايات ومذكرات الكبار في رف مكتبتي الأسفل
بعضهم قال عندما تكتب من تعرف فأنت تقتله , لن أقتلك , كتبتك كي احتفظ بالرائحة التي أحببتها فيَّ .
كتبتك لآخر مرة .
حمل ثقيل , غصة قلب , وضباب دمع , مرارة سؤال .... : كيف أصبحت دون أن ادري أمي ؟
****************************************

تلاحقني دائما بالأطعمة التي انتهت من تحضيرها الآن في المطبخ
نذرت حياتها للتعب والقهر .... وحيدة .
تعصب رأسها فوق شالها الأبيض الذي يشبه " غطاء الصلاة " بمنديل حريري كان فيما مضى غطاء رأس ثم حولته لـ " بقجة " إلى أن انتهى عصبة لرأس يتألم
في صدرها الكبير دائما مصحفا صغيرا , لا تحب الأحجبة , وقرش اصفر ... لي
ضبطتها مرة , تبحث في ملابسي , تقربها من انفها , تشمها , تشتم قميصي الأزرق من الصدر بشغف عاشقة , تغمض عينيها على أحلامها .... التي لا يعرفها الا هي
اكتشفت بعد غربتي عن وطني ان للأمهات مقاييس خاصة في الحب , تلك العجوز الطيبة لم تترك فراغا الا ملئته .
اكتشفت لما لم تبكي ابي بموته , مزيج الفرح والحزن والقسوة واللين والطلاقة ذاك , ككل امهاتنا , فلاسفة بدون نظريات وكتب يستطعن رؤية الجمال اينما كان بتعقيده وبساطته , يرتجفن منه , يحسونه , يأكلون منه .... بتلقائية .
قداسة تضمها هي وفنجان قهوتها وسيجارتها اليومية الوحيدة , تشربها ... تستغفر بعدها الله مئة مرة , وحيدة كانت كمريم , تهز نخلتها ..... الخاصة .
هدوء لم استطع فهمه الا في الأربعين , تودعني جالسة على " الدفة " وسط أكوام الغسيل الأبيض ... برميل " الغلي " الفضي وبابور الكاز طقسها الصباحي المعتاد
تناديني لأساعدها في حمل البرميل للسطح , تقترب من السرير , أراها من تحت الأغطية قادمة مياه الغلي تقطر من ساعديها وبقعتان من رغوة الصابون على ملابسها , تسبقها رائحة النظافة والمساحيق المبيضة :
- عبد الله .... عبد الله , طلعت الشمس
طلعت الشمس , عبارتها تختلط بروائحها ومساحيقها وصوت الراديو الصغير الذي تصر انه لها
" طلعت الشمس , غابت الشمس " نهارها هي يقبع بين تلك العبارتين , انا وسجادة الصلاة وسيجارة – الحمراء - وبعض من تزورهم او يزورونها من أصدقاء .
يتابع الصوت :
- بس تعال ساعدني على الدرج .
اتأفأف منها , ألف نفسي بأغطيتي مخفيا وجهي ويدي تبحث عن النظارات على الرف بجانب التلفزيون .
تتركني معلنة إفلاسها بكلمة : الله يهديك , اسمع طرقات البرميل على الدرج ولهاثها , انفض ما تبقى مني بين الأغطية مسرعا إليها بخطوتين كبيرتين أمد راسي بين يدها والبرميل
تضحك , احمله واجري به للأعلى
- الله يرضى عليك ... نمر .
أحببت اتساعها , قلة خيبتها , فرحها الدائم , يتمها , عرسها المستمر يوميا في البيت .
كانت تجد الوقت دائما لتكلمني عن فرن التنور وزريبة الجمال وعمها " كرمو " أنيس يتمها
تعبق من حكاياتها رائحة القرفة واللوز البلدي .
كانت ملجأي من خدوش طفولتي السعيدة , من مشاكلي الكبيرة الصغيرة , زلات لساني , منقذي الوحيد من رائحة الدخان المعشش في ملابسي عند لهونا " بخرابة " الحي
احترفت صمت يتمها ... إلا معي , أنا كبرت هي ازدادت اتساعا حتى وطئتني , مازلت صاحب الراس الصغير والنظارات الكبيرة
شهدت شغفي , وهواتفي الليلية , رتبت أوراقي , لملمت الواني وفرشي , راقبت لوحاتي ... بصمت يعجز عنه حجر .
تأتيني بعد ان أنام , تهزني , تسألني : تتعشا ؟.
تضيف بعد ان تسألني أين كنت :
- تعال .. اشرب معي قهوة .
بعد انتقالنا لبيت أحلامها الجديد لم تعد تردد جملتها " طلعت الشمس " , لم تعد تنام في غرفتها , استوطنت شرفة البيت هي ومسبحتها الزرقاء الطويلة وسجادة الصلاة
اشترطت ان يكون البيت جديدا :
- الصحة يا عبد معد تساعد , شفلي بيت جديد وصغير .
تستدرك :
- ويكون قريب من أمي ....
تستدرك :
- وسيدي خالد .... والبرندا واسعة .
كانت " البرندا " كما يحلو لها ان تسميها مخدعها السري تقيل فيها بعد العصر , تستقبل أصدقاءها , صومعتها الأقرب الى الله .
حتى ان شهور العدة قضتها فيها حزنا على رفيقها – أبي – هي ومسبحتها , تك , تك , تك .... تدعوا بهمس وتصلي بهمس
- الساعة هلق أربعة الفجر !.... نامي
- لا . تعال , اشتقتلك .
ينهض الطفل داخلي قبلي , قافزا , بخطوة تكون القهوة جاهزة
اجلس متربعا إمامها , عاريا بقميصي الداخلي , أعطيها علبة سجائرها الوطنية وولاعة " الرونسون " إرئها الوحيد من أبي .
تكلمني بصيغة السؤال والعتب :
- اتصلت فيك اليوم هاي البنت الشقرا ؟... والله صرت اخجل منها , بدك تعلمني الكذب بعد ها لعمر ... شو اسمها .
لا تنتظر إجابتي تجيب هي :
- نانا ؟ لانا ؟ .... المهم البنت كلها أدب ما بتقلي الا يا حجة ...؟ لك عيب عليك هدول بنات ناس
اضحك , تضيف :
- والله مابحط ايدي بجوازتك ابدا
تفهم تناقضي ... ارتمي عليها عابثا بغطاء الصلاة متناسيا أني كبرت بغفلة مني
تشعل سيجارتها .
يتوقف القلب , وتعود الذاكرة , تتأرجح هي فقط بين طيات الذكريات , يتعثر اللسان معها , يتعثر عند وصفها ... اشتقتها
" هي " وتلك النبته الغريبة فوق قبرها والتي لاتزال رغم قسوة فصول المدينة تدهش قلبي بأحمرها الجذاب وأخضرها المدهش .
رغم كل السنوات الكسيحة والأحلام الهاربة , التي تمر . تصر دوما على الظهور فجرا كل يوم مع أول خيط نور لتقول لي :
- عبد .. قوم , طلعت الشمس .

" كاتب سوري "
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
· سيدي خالد : مسجد الصحابي خالد بن الوليد .
· البرندا : شرفة المنزل .


تعليق



أشهد أن لا حواء إلا أنت

08-أيار-2021

سحبان السواح

أشهد أن لا حواء إلا أنت، وإنني رسول الحب إليك.. الحمد لك رسولة للحب، وملهمة للعطاء، وأشهد أن لا أمرأة إلا أنت.. وأنك مالكة ليوم العشق، وأنني معك أشهق، وبك أهيم.إهديني...
رئيس التحرير: سحبان السواح
مدير التحرير: أحمد بغدادي
المزيد من هذا الكاتب

اخترت الضلال ....

22-نيسان-2009

بقعة بيضاء في الذاكرة .....

27-كانون الثاني-2009

حكاية لم تكتمل ....

15-تموز-2008

سؤال صعب ..

27-حزيران-2008

سؤال وجواب

18-آذار-2008

حديث الذكريات- حمص.

22-أيار-2021

سؤال وجواب

15-أيار-2021

السمكة

08-أيار-2021

انتصار مجتمع الاستهلاك

24-نيسان-2021

عن المرأة ذلك الكائن الجميل

17-نيسان-2021

الأكثر قراءة
Down Arrow