Alef Logo
المرصد الصحفي
              

شخصية ومصير أبوهريرة ../

أ.د. ميثم الجنابي

2009-07-04

أن الغایة من سلسلة المقالات المتعلقة بتناول قضیة (الشخصیة والمصیر) التي اخصصھا لتناول أفراد لھم أثرھم في تاریخ الفكر والروح والدولة، ترمي إلى وضعھم ضمن سیاق وجودھم التاریخي من جھة، وتحلیل ما فیھم ضمن ثنائیة السلطة – المثقف من جھة أخرى.
لاسیما وأن علاقة المثقف بالسلطة ھي إحدى المعضلات الكبرى للتاریخ الفعلي ووعي الذات القومي والثقافي. كما أنھا باقیة ما بقیت السلطة والدولة. وبالتالي یمكن النظر إلیھا باعتبارھا "قضیة أبدیة" ما لم یرتق الروح إلى مصاف الأبد. وھو الخلاف الجوھري بین ثقافة الأشباح والأرواح، أي كل ما یمكننا رؤیتھ أیضا في سعة وانتشار ثقافة الارتزاق المعاصرة، وكثرة "المفكرین" الجھلة للسلطات والأحزاب.
***
إذا كانت السلطة تعمل بقوة السلطان، فان ذلك لا یكفي بحد ذاتھ من اجل دیمومتھا وإضفاء الشرعیة على وجودھا السیاسي. من ھنا أھمیة وقیمة "المثقف المرتزق" بوصفھ "سلطان الحقیقة" المجیّرة. وھي حالة لا یخلو منھا تاریخ الدول والأمم والثقافات الكبرى. لكنھا عادة ما تعكس بدایة الأزمة أو نھایتھا.
بمعنى أن ظھور واستفحال ظاھرة المثقف المرتزق ھو تعبیر عما في تاریخ الدولة والأمة من صراع عنیف ینذر بحتمیة السقوط أو مؤشر على اعتراك قواھما الذاتیة في تأسیس البدائل. وھو السر القائم وراء تأثیر المثقف المرتزق على مجریات الأمور والأحداث سواء فیما یتعلق بإمكانیة "تثویر" الأفكار والصراع حولھا، أو إعاقة نموھا "الطبیعي" من خلال حرفھا صوب أمور جزئیة أو ثانویة لا قیمة لھا بالنسبة لتاریخ الروح. لكن عملھ في كلتا الحالتین لا یؤدي إلا إلى إثارة نفسیة وذھنیة المغامرة القبیحة. ومن تلازم أو التقاء ھذین الاتجاھین تتراكم ملامح المصیر التاریخي الفعلي للثقافة ومنظومة المرجعیات
المعقولة في رؤیة الثقافة عن نفسھا ودور المثقف فیھا. وھي ظاھرة لا تخلو من تعقید درامي تارة، ومأساوي تارة أخرى. لكنھا دراما ومأساة الفرد التائھ في دھالیز الغریزة الخائبة. وقد یكون ذلك ھو احد الأسباب الرئیسیة في اختلاف مرتزقة الثقافات الكبرى الماضیة عن مرتزقة الأحزاب والدویلات الحالیة بوصفھا جعجعة فارغة على رصیف التسول المنفر. لكن جوھر المشكلة یبقى كما ھو. بمعنى أن المثقف المرتزق تحت أیة یافطة عقائدیة كانت ھو مجرد حمّال معلومات، أي خال من المعرفة. لكنھ یجسد في الوقت نفسھ نموذج " العالم الجاھل"، أي الطبل الأكثر دویا في جوقة "علماء السوء" كما دعاھم
الغزالي، و"علماء الجھل" كما دعاھم نیقولا الكوزاني. وحالما تلتئم سبیكة السوء والجھل في ھیئة "العالم النحریر"، حینذاك تبرز في مظاھر اللؤم غیر المحدود في الأقوال والأفعال. وفي الأغلب ھي صفة مرتزقة السلطة والأحزاب.
وبغض النظر عن كثرة أو قلة معلومات المثقف المرتزق، فانھ لا یفعل في نھایة المطاف إلا على إضعاف الكل الإنساني للدولة والأمة. والسبب یكمن في انھ لا یتعدى في نیاتھ وسلوكھ وغایاتھ أن یكون شیئا غیر لسان "النفس الغضبیة" ولیس العاقلة، أي القوة الجزئیة ولیس الكلیة العامة. من ھنا تصبح مھمة نقد نماذجھا القدیمة أسلوب نقد نماذجھا الحالیة.
ولیس مصادفة أن تتشابھ مختلف مستویات وأشكال "التبجیل" الھائلة القدیمة والحدیثة في مواقفھا من "علماء السوء" و"علماء الجھل" بغض النظر عن اختلاف ثیابھم الدینیة أو الدنیویة (العلمانیة)، "الیساریة" أو"الیمینیة". فھو مؤشر على بقاء وفاعلیة حالة الانحطاط. فالحقیقة خارج تصنیفات العقائدالسیاسیة والحزبیة أیا كان شكلھا ومحتواھا. وذلك لان المثقف الحقیقي لا تحكمھ إلا الحقیقة. وبالتالي لیس البقاء ضمن قیود العقائدیة السیاسیة والحزبیة سوى الصیغة الملازمة للقبول بعبودیة العقل والضمیر، أي "الفداء المقدس" للبلادة والغباء وانعدام الضمیر الحر.
أبو ھریرة الدوسي كان اسمھ قبل الإسلام عبد شمس بن صخر. واسماه النبي محمد بعد إسلامھ عبد الرحمن بن صخر الدوسي. توفي عام 57 للھجرة بعد أن بلغ من العمر 78 عاما قضى اغلبھا في دھالیز التحول الھائل الذي أحدثھ الإسلام في المصیر التاریخي للعرب والدولة والثقافة.
من مفارقات شخصیتھ تأثیره الھائل في صنع تقالید "السنّة" مع فقدانھ المفزع للعقل والمعرفة. وھي المفارقة الكامنة والفاعلة في استعداده لوضع الحدیث والكذب فیھ. لكنھا شخصیة لا تخلو من طرافة وأصالة. ففي كنیتھ نتلمس بعض الأبعاد الأخلاقیة والإنسانیة الرقیقة. فمن عطفھ على ھرة كان یحملھا معھ عندما كان یرعى الغنم، بحیث یضعھا في اللیل في الشجر ویصحبھا معھ في النھار إشارة ودلالة على رقة القلب وبساطة الاقتراب من الطبیعة. وھي مكونات جمیلة فیما لو بقیت ضمن أصولھا، أي رعي الغنم والارتماء في ودیان الیمن وصحاریھا. بینما أدى انتصار الإسلام وصیرورة الدولة وارتمائھ في أحظان
السلطة إلى انقلاب عاصف في مصیره الشخصي والتاریخي والثقافي. وغرابة أبو ھریرة الدوسي تقوم في بقاء عبد شمس الأول فاعلا في شخصیتھ الفعلیة.
من ھنا "ارتقاءه" سلّم "الصحابة" بفقره وروایتھ للحدیث، واستھجان التاریخ العقلي لابتذالھ الكلي.
وضمن ھذا السیاق یصبح حافز إسلامھ الأول مثیرا للجدل. بمعنى یصعب تحدیده بمعاییر الروح. كما انھ لیس نتاج معاناة محكومة بإحساس المشاعر الإنسانیة الكبرى أو الأخلاقیة العمیقة أو المعرفة المجردة. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار عامل الجوع والرغبة الصادقة في محبة الأكل والشرب، التي لازمتھمدى الحیاة بحیث جعل منھا "فضیلة" یتبجح بھا بما في ذلك في الدعاء(!)، عند ذاك یصبح احتمال المنفعة الشخصیة الضیقة عاملا حاسما في الانتقال من الیمن إلى المدینة، ومن الوثنیة إلى الإسلام.
فقد قدم المدینة في السنة السابعة للھجرة، أي بعد معركة خیبر. وتنسب إلیھ الكلمات الموثقة عن جوعھ الدائم وانتمائھ إلى "أھل الصفة". دون أن یرتقي لاحقا إلى مصاف "النخبة الروحیة". وذلك بسبب الھوة الكامنة في شخصیتھ، التي جعلتھ في آن واحد احد المصادر الكبرى لنقل ووضع الحدیث النبوي. إذ ینسب إلیھ حوالي 5374 حدیثا نبویا، مع انھ لم یعایش النبي محمد سوى عام واحد وتسعة أشھر. وفي روایة أخرى ثلاثة أعوام. وقد اثار ھذا الكمّ من الاحادیث شكوك وانتقاد الكثیر من الصحابة آنذاك. بحیث نرى صدى ذلك في العبارة المنسوبة إلیھ، التي یوردھا البخاري ومسلم، القائلة "إنكم تزعمون أن أبا
ھریرة یكثر الحدیث عن النبي. إني كنت امرأ مسكینا صحبت النبي على بطني.
وكان المھاجرون تشغلھم التجارة في الأسواق. وكانت الأنصار یشغلھم القیام على جمع أموالھم. فحضرت من النبي مجلسا فقال:"من بسط رداءه حتى اقضي مقالتي ثم یقبضھ إلیھ، فلن ینسى شیئا سمعھ مني". فبسطت ردائي حتى قضى حدیثھ ثم قبضتھ إلي. فوالذي نفسي بیده، لم انس شیئا سمعتھ منھ". وھو "حدیث" مصطنع دون شك، مھمتھ إضفاء صفة الوحید القادر على حفظ الحدیث النبوي والأكثر أمانة وصدقا وقربا من كل ذلك الرعیل الذي عایش النبي على امتداد عقود من الزمن، وكوّن الأساس الاجتماعي والأخلاقي والروحي والفكري أیضا للعقیدة الإسلامیة. ولیس مصادفة أن یصنع أبو ھریرة حدیث
متمم بھذا الصدد یتكلم عن نفسھ وسؤالھ للنبي محمد قائلا:
-یا رسول الله! من اسعد الناس بشفاعتك یوم القیامة؟
-لقد ظننت یا أبا ھریرة انھ لا یسألني عن ھذا الحدیث احد أولى منك لما رأیت من حرصك على الحدیث! اسعد الناس بشفاعتي یوم القیامة من قال لا الھ إلا الله خالصا قلبھ".
والقضیة ھنا لیست فقط في عدم تبلور فكرة ومصطلح "الحدیث" في كلام النبي آنذاك، بل وفي الصیغة الجریئة "لابتداع" مختلف النماذج الكاذبة.
إذ لم یكن أبو ھریرة شخصیة لھا وزنھا زمن أبي بكر وعمر. وإذا كان عمر بن الخطاب قد عینھ لولایة البحرین عام 21 للھجرة فانھ عزلھ عام 23 واخذ منھ ما سرقھ من أموال تقدر بعشرة آلاف. غیر أن الأمر اختلف زمن عثمان وأصبح من المقربین لآل العاص والأمویین بشكل عام. ووضع جملة من الأحادیث لعثمان مثل (عثمان خلیلي) و(عثمان تستحي منھ الملائكة) (عثمان رفیقي في الجنة) (وعثمان من أشبھ أصحابي بي خلقا). ثم خمل زمن علي وبدایة الحرب، لكنھ استعاد نشاطھ زمن معاویة. ووضع لمعاویة أحادیث غریبة مثل (إن الله ائتمن على وحیھ ثلاثة أنا وجبرائیل ومعاویة) و(ناول النبي معاویة سھما وقال لھ:خذ ھذا السھم حتى تلقاني بھ في الجنة) كما وضع أحادیث كثیرة في فضائل أبي بكر وعمر مھمتھا طمأنة الأمویة في صراعھا مع "ذكرى" الإمام علي وذاكرتھ في الوعي الاجتماعي والتاریخيالعربي الإسلامي. إضافة لذلك كان اغلب وضعھ الحدیث یفتقد إلى الذاكرة الحسنة والذكرى المناسبة. من ھنا خلط الأحداث وربطھا بطریقة لا تتطابق مع
الواقع أو لا تستجیب مع حیاتھ، مثل نقلھ الأحادیث (بوصفھ مشاركا) لأحداث جرت قبل إسلامھ بسنوات طویلة. وھي عادة أو ظاھرة برزت معالمھا الأولیة منذ وقت مبكر. من ھنا نرى عمر ابن الخطاب نھاه وینھره عن الحدیث. وكذّبتھ عائشة وعلي وكثیر من الصحابة. ولیس مصادفة أن یكون احد أكثر المقربین إلى معاویة والأمویة حتى موتھ. وذلك لاستعداده الفطري على نقل مختلف الأقوال والأحادیث أو تسطیرھا بوصفھا جزء مما یمكن دعوتھ بآلیة النقل البلیدة.
فقد كان أبو ھریرة نموذجا للنقال العادي. ولیس مصادفة أن یكون ممرا لنقل الإسرائیلیات والأفكار الحشویة الممیزة للذھنیة الیھودیة وأساطیرھا التي كان یبشر بھا كعب الأحبار. وھي ظاھرة تتعارض مع تقلیدیة الرؤیة الإسلامیة ومعاییرھا الخاصة التي استغربت أن یكون تابعي (كعب الأحبار) مصدرا لصحابي (أبو ھریرة). مع انھ لا غرابة في الأمر. فالفرق الزمني بین أبو ھریرة وكعب الأحبار في اعتناق الإسلام لیس كبیرا. فالأول التحق بالمدینة عام 7 للھجرة، بینما الثاني زمن عمر بن الخطاب، ویقال زمن خلافة أبي بكر. وھو الأقرب. وذلك لما لھ من حظوة كبیرة نسبیة عند عمر بن الخطاب زمن خلافتھ.
ولا یعقل تقربھ بھذه السرعة في غضون أیام وأشھر في مرحلة تتصف بالدینامیكیة العالیة. ولعل سفره مع عمر إلى القدس واستشارتھ في بعض المواقف المھمة دلیل على ذلك. ومھما یكن من أمر ھذه القضیة، فان تحول كعب الأحبار إلى مصدر من مصادر "الحدیث" عبر أبو ھریرة یشیر أولا وقبل كل شيء إلى شخصیة أبي ھریرة الھشة. ومن الممكن ھنا الأخذ بنظر الاعتبار أصولھم الیمنیة المشتركة، بمعنى التقائھم بالفطرة والمكان والنفسیة. غیر أن "ذكاء" كعب و"علمھ" بوصفھ حبرا من أحبار الیھود جعلت منھ قوة قادرة على التأثیر والقبول. من ھنا اخذ أبو ھریرة جملة الأفكار الأسطوریة للیھودیة. وھو
مؤشر عما في شخصیتھ من استعداد للنقل دون تمحیص ورویة. بحث یمكن اعتباره نموذجا لحمار النقل. بمعنى انھ لا یعبأ بما ینقل وكیف یقول. لان الشيء الوحید الذي كان یمتلكھ ھو "ذاكرة" بلا عقل. من ھنا ثقوبھا الملیئة بإمكانیة تمریر كل شيء. وھي صفة جعلتھ مناسبا ومقبولا ومحببا للأمویة حتى موتھ.


• من صحيفة المثقف


تعليق



أشهد أن لا حواء إلا أنت

08-أيار-2021

سحبان السواح

أشهد أن لا حواء إلا أنت، وإنني رسول الحب إليك.. الحمد لك رسولة للحب، وملهمة للعطاء، وأشهد أن لا أمرأة إلا أنت.. وأنك مالكة ليوم العشق، وأنني معك أشهق، وبك أهيم.إهديني...
رئيس التحرير: سحبان السواح
مدير التحرير: أحمد بغدادي
المزيد من هذا الكاتب

المثال والحقيقة في الشخصية المحمدية – من الغزالي حتى المعاصرة

21-تموز-2009

شخصية ومصير - كعب الأحبار!

12-تموز-2009

المثال والحقيقة في الشخصية المحمدية – من الغزالي حتى المعاصرة

07-تموز-2009

شخصية ومصير أبوهريرة ../

04-تموز-2009

حديث الذكريات- حمص.

22-أيار-2021

سؤال وجواب

15-أيار-2021

السمكة

08-أيار-2021

انتصار مجتمع الاستهلاك

24-نيسان-2021

عن المرأة ذلك الكائن الجميل

17-نيسان-2021

الأكثر قراءة
Down Arrow