Alef Logo
يوميات
              

"تنافرُ الآحادِ والأنفارْ "

عماد حسين أحمد

خاص ألف

2011-05-28

ها هي ذي السِتارة- أخيراً- تَنقشِعُ أمامي- أبصرُ النورَ في كُلِّ شيءْ؛ ها أنا أستَحيلُ، كسورياليّ، إلى ماءٍ مُطَهِّرٍ للخطايا؛ ها هي الطيورُ الناطِقةُ بي، تَرتدُّ إليَّ، تَحطُّ على كُتبي، بوَداعةٍ، لتخبرني بِما سأُخبِرُ المُسافرينَ المُمَزَّقينَ به؛ ها هو الخيالُ المُمدَّدُ على سجّادٍ مِن قلقٍ، يُنجِدُ ضيقَ عالمَي المُمقِتْ، فيطلقني كَبُلبلٍ شادٍ، لا يَحْتَكرُ مَحصولاً واحِداً، لا يَتَشدَّقُ باسمٍ واحِدٍ، لا يَتَلذَّذُ ببذورٍ دونَ أُخرى.
***
أنا..كمْ مَرَّةٍ سأقولُ: أنا- في رَميتي المُغامِرة ؟ وكمْ مَرَّةٍ سَتقولونَ: إنَّنا- في عَويلِكُمْ المُقامِر ؟ .. أنا سَجينُ نَفسي، وأنتُم سُجناءُ أنفسِكُمْ. أنا الجلاَّدُ وأنتمُ الجلاَّدونَ، و ما مِن أحدٍ يُجْلَدُ في الساحةِ الوارِفَةِ بيني وبينكُمْ، بسوطي وسوطِكُم، سواي وسواكم. أنا القاتِلُ وأنا المَقتولُ وأنا الشاهِدُ على القَتلِ في النهاية. لا أحدَ أنصبهُ هَدفاً، لِعياريَ الناريّ، سوى هَيكلي المُعلَّقُ هناكَ، كَمَصْلوبٍ يَصلبُ جَسدَهُ بيدهِ، كَـنَصبٍ حَجرٍ فانٍ. كُلُّ سَهمٍ رَصينٍ يُطلقُ بِعنايةِ الموتِ، مِن قوسي المشدودِ كالوترِ، إلى الآخر الذي أسمِّيه "غريباً عني"، سَيرجعُ إليَّ بعدَ عامٍ أو ما يزيد بقليلٍ، ليستقرَّ في قلبي مُمَزِّقاً. كُلُّ شَمسٍ سَخيّةٍ مُعطاءةٍ أحجبُها عن أرضِ غيري، سَتخلقُ حَشَرةً غازيةً تَغزو سَخاء شَجَري. كُلُّ مَصيدةٍ، أنسجُها بِحنكةٍ في الليل، سَتجعلني الضحيَّةَ في النهار. كُلُّ نَفَرٍ سَيصنعُ نَفَراً أخرَ. كُلُّ فِكرةٍ (ضَريرةٍ)، أُشتِّتُ بها جَمعاً مُتحاباً، سَتلِدُ فِكرةً مَلعونةً، تبقيني وحيداً خارجَ السرب. كُلُّ موتٍ نذيرٌ مُبشِّرٌ بِموتٍ قادمْ. كُلُّ حُريَّةٍ تَُفتِّقُ عن قيدْ. كُلُّ حَقيقيٍّ ليسَ حَقاً بالضرورة. كُلُّ جائعٍ سيأكلُ مِن لحمِ مَنْ تَسبَّبَ في جوعهِ. "كُلُّ زَبَدٍ سيذهبُ جَفاءً".
لا أحدَ" غريبٌ عني إطلاقاً". أنا الغَريبُ عن أحدٍ وعن الأحدِ أيضاً، وعن نَفسي: قارةٌ مجهولةٌ بأسرِها، مُمزَّقةْ. لا أرى أمامي وَعياً إنسانياً يتدفَّقُ بحق. أرى- كُلّ ما أراه- بعيني الزائغة: ذكاء ذئبٍ مُفترِسٍ يُخطِّطُ لفُجاءةِ الاحتيال. أقولُ: ليسَ الذكاءُ وعياً؛ أقولها دوماً.
***
سَمِعتُ في حُلمي أنَّ الآدميَّ سَيجثو، بِوَقارٍ، قُبالةَ قَبرٍ ضَيقٍ؛ هو قَبرُهُ- مدارُ حَركتهِ. سَينبشُ الأرضَ، كغُرابٍ عَجولٍ، وسيرشدهُ نَبشهُ إلى دودةٍ دَقيقةٍ، يَظنُها كَبشاً. سيتفيأُ- حينها- في رُكنٍ مِن أركانِ زهوِّهِ، وسيريقُ الدِماءَ والنِعمَ والتراتيلَ والبراعِمَ وما في مكنونِها مِن نبضٍ، قُرباناً لِما يَراهُ حقَّاً نَقيَّاً مِن أيِّ عِكرْ. سيرفعُ (العُتمةَ) عالياً. سيَصيحُ: ها قد عَثرتُ على النورِ الأبديّ، أيُّها التُبّاع...
سِمعتُ في حُلمي أنَّ الآدميَّ سَيغيبُ في نَفسهَ عن نَفسهِ، أزماناً. سَيمكثُ في المسافةِ الفاصلةِ بين الليل والنهار. ستأخذه الحَيرةُ إلى قَعرِها طَويلاً. سَيصدِّقُ حَيرتَهُ كَيقينٍ شافٍ. سَيَتكئُ على أريكةٍ وثيرةٍ. سيولّي وجههُ شَطرَ الحشود. سينادي بملءِ صوتهِ: أنا الإله!...
سَمِعتُ في حُلمي أنَّ الآدميَّ سَيقولُ في خَلوتهِ:" كلُّ شيءٍ لي، أنا وَحدي، لا شَيَء إلايَّ ". وفي جَهرهِ، سَيعبثُ بِمكعّباتِ الكونِ كَثيراً. سَيُعيدُ تَرتيبَها بألف هيئةٍ وهيئةْ. سَيبجِّلُ الشكلَ تارةً، ويعبدُ المغزى حيناً أخرَ. سَيُشيِّدُ صَرحاً شاهِقاً، كجبلٍ مَهيبٍ، لطريقةٍ أو لِمنهجٍ ما تارةً، ويَهبِطُ ببراهينَ سابقةٍ إلى الأرضِ تارةً أخرى. سَيقولُ للملأ مِن وراءهِ: اتبعوني، أنا مُرشِدُكُم الطَهورْ. لن يتوقفَ الزمنُ حينها. سَيَشيخُ المُرشِدُ الطَهورُ كَجذعِ شَجرةٍ مُجَعَّدْ. سَيتأملُ مِن أعلى شُرفتهِ. سَيَستقرُّ بَصرُهُ على طِفلةٍ غَضةٍ، في عامِها الرابع، تُلاعِبُ عِدة َمُكعبّاتٍ مُصطفَّةٍ أمامَها؛ تُحاوِلُ بِجديَّةٍ عَميقةٍ تَرتيبها على صورةِ لُعبةْ؛ تُحاوِل مِراراً، تبني مِراراً، تَهدمُ مراراً. تَضجرُ . تَتركُ المُكعّباتَ على حالِها كما كانتْ -مُصطفَّـةً، وتَستديرُ ثم تتلاشى كَغمامةٍ صَوب حُجرتِها في زاويةٍ ما. عندئذٍ، سَيقولُ المُرشِدُ الطَهورُ في خَلوتهِ:" فاتَ الأوانُ: لستُ شيئاً؛ لستُ وحدي؛ كُلُّ شيء موجودٌ إلايَّ!؛ أنا العابِثُ لا أكثرْ ". سَيتدحرجُ في نفسهِ قليلاً. سَيتَكوَّرُ. سَتقعُ عينهُ اليُسرى على زهرةٍ في إناءٍ بِجوارهِ. سَيَتَمعَّنُ. سَيَكتفي بالوصفِ، كَطِفلٍ غَضٍ: ما أبهاها !...
سَمعتُ في حُلمي أنَّ الآدميَّ سَيسقطُ، كَحبَّةِ توتٍ، في بئرٍ برَّاقةٍ مُجاورةٍ لِبئرهِ. سَيَهجرُ بَصَرهُ لِبِضعةِ مِئاتٍ مِن السنين، مُتكئاً على بَصرِ غيره. سَيركبُ البحارَ ويجتازُ الأنهارَ وتحَوطهُ الصحارى. سَيسعى إلى هُدي مِن دونِ نور. سَيقودهُ رِجالٌ غِلاظٌ قِصارٌ في بصيرتِهم، عن يمينهِ وعن شماله، لِعدةِ فراسخَ، ثم سَيندحرونَ كَخِرافٍ أخذها الذعرُ. سَيصرخُ: مَن أنا؟. كُلُّ صَرخةٍ لصقَ أُخرى. لن تَستفيقَ الشمسُ مِن مَغيبِها. لن َتحدِّثهُ الصَحراءُ عن مكمنِها. سَيموتُ ما بِيُسراه...
سَمعتُ في حُلمي أنَّ الآدميَّ سَيفقِدُ مُستَقَرَّهُ في الخِضم. سَينشَطرُ إلى أنهُرٍ مُختلفةٍ مُتباينةِ المَذاق. سَيكونُ إلهاً واهِناً؛ مُختالاً مُترَفِّعاً؛ جَشِعاً سَخيَّاً؛ زهرةً شَوكاً؛ مَدَّاً جزراً؛ أفّاكاً صَدوقاً؛ مُرَّاً حلواً؛ لؤلؤةً صَخراً؛ جَنّةً جَحيماً؛ نمراً فأراً؛ طيناً ريحاً؛ حيَّاً ميتاً؛ جَذوةً قَلِقةً تَحتارُ في أيِّ أرضٍ تَستريحْ. سيكونُ بُقعةً بيضاءَ لخيولِ العالَمِ قاطِبةً. سيقولُ لِكلِّ مارٍّ شَبيهٍ: أيُّ نَهرٍ هو أنا؟. أنجدوني!.
***
حَدَّثتني السِتارةُ في غَفلتي، سائلةً: أيُّ جِهةٍ يَسلكون؟ أيُّ قِممٍ شاهِقةٍ يَتَسلَّقون؟ أيُّ خَيمةٍ مُزدانةٍ يَنصبون؟ أيُّ جُرحٍ مِن جراحاتِ الأرضِ يُضَمِّدون؟ أيُّ دَمعةٍ مُنسابةٍ يَمسحون؟ أيُّ آيةٍ آفاقيةٍ يَنشدون؟. قلتُ: القبورُ وحدها تَنبضُ بالحياة.
ساءلتني بِصمتٍ: أرأيتَ كيف يَقتتلونَ، بِهَرجٍ مَكِرٍ، على حيازةِ الوقتْ؟ أرأيتَ كيفَ يَستعجِلونَ مَوتهم، بِعَماءٍ، كَفِكرٍ ضَحلٍ؟ أرأيتَ كيف يُبعثونَ من غَشاوتِهم إلى النورِ، بُرهةً يَقظانةًً، ثم يرقدونَ مِن بعدِ يَقظتِهم في التيه؟ أرأيتَ كيفَ يكذِّبونَ عيناً ويبجِّلون أُخرى، كإلهٍ ناهٍ ؟ أرأيتَ كيفَ يَتراشقونَ، دماً وحِبراً، ويَتَصيَّدونَ الظمأَ، كأحراجٍ؟ أسَمِعتَ الراعي النائي في نداءهٍ، إذ قالَ لِقطيعهِ ذو النَفَرِ الواحد: ما أروعني!. قلتُ: تَعِبْتُ.
قالتْ: أفلا يَصغونَ إلى صَيحاتِ سريرتهم، خَلوةً، كيفَ تَحترقُ كَحطبٍ مُجفّّفٍ؟ أفلا يَستجلونَ أمرَ مَحاصِيلهم كيف تَتَبدَّدُ كَدخانٍ مِن غيرِ غَزوٍ؟ أفلا يَتَرصَّدونَ خراجَ عقولِهم كيفَ يَتناثَرُ مِن دونِ نَفع؟ أفلا يَتَأملونَ أنفارَ الطيورِ كيف تَقتاتُ مِن مَحاصيلَ الجميعِ مِن دون تمييزٍ أو تفاضل؟.. قلتُ: صرختُ مِراراً.
صاحتْ: فليحيدوني عن أبصارِهم إذن !؛ فليلقوا بِهياكلِهم، حَجرةً حجرةً، إلى الظلام.
**

تعليق



أشهد أن لا حواء إلا أنت

08-أيار-2021

سحبان السواح

أشهد أن لا حواء إلا أنت، وإنني رسول الحب إليك.. الحمد لك رسولة للحب، وملهمة للعطاء، وأشهد أن لا أمرأة إلا أنت.. وأنك مالكة ليوم العشق، وأنني معك أشهق، وبك أهيم.إهديني...
رئيس التحرير: سحبان السواح
مدير التحرير: أحمد بغدادي
المزيد من هذا الكاتب

سياسيون للعمل في الحقول!

03-تشرين الثاني-2013

شطحاتٌ في الدماء

20-آب-2011

الجَسدُ كَملاذٍ كَسَفرٍ في اللُغةْ

30-تموز-2011

إعلام التضليل وتضليل الإعلام

06-تموز-2011

ذاك أنا، وتلك أنتِ

12-حزيران-2011

حديث الذكريات- حمص.

22-أيار-2021

سؤال وجواب

15-أيار-2021

السمكة

08-أيار-2021

انتصار مجتمع الاستهلاك

24-نيسان-2021

عن المرأة ذلك الكائن الجميل

17-نيسان-2021

الأكثر قراءة
Down Arrow