Alef Logo
يوميات
              

أسكن في "حرستا"

جهاد أسعد محمد

خاص ألف

2011-12-11

حاصرتني شروحات ووصايا وتحذيرات المعارف والأصدقاء حين عرفوا أنني سأستأجر بيتاً في حرستا لقربها من المدينة، وانهالت علي النصائح من كل حدب وصوب منبهة من مخاطر هذا الاختيار الخاطئ وآثاره علي – أنا الشيوعي- وعلى زوجتي "السافرة" وعلى نمط حياتنا الذي اعتدناه.. وقُدّمت لنا اقتراحات بديلة للسكن أكثر مواءمة، بدأت من جرمانا وصحنايا، ولم تتوقف عند بيوت "الطبب" في حي "التضامن" أو في "الطبالة".. علماً أن هذه الخطوة لم أقدم عليها بعد تفجر الحركة الاحتجاجية ربيع هذا العام وانغماس حرستا فيها حتى أذنيها، بل كان ذلك قبل تفتح "الربيع السوري" بأكثر من عامين..
وبالرغم من معرفتي سبب هذا الانطباع العام عن "حرستا"، إلا أنني كنت أدّعي الجهل وأسأل عن أسباب تخوف المتخوفين، لعلي أحظى بجواب يخرج عن النمطية، ويخلو من عنجهية وفوقية "المنفتحين" تجاه "المحافظين".. بيد أن الأجوبة كانت تخذلني تماماً، وراحت تأتي من الجميع كأنما يقولها شخص واحد: "يا أخي، أهالي حرستا وسكانها متخلفون، ولن تأخذ حريتك فيها مطلقاً"..
على هذا الأساس، ولأن رأسي يابس ولست عبداً لمخاوفي وللتقييم النمطي، ولأنني أردت أن أجري اختباراً لـ"تحرري" المزعوم في بيئة محافظة، اتخذنا زوجتي وأنا قرارنا "التاريخي"، وسكنا في هذه البلدة "المخيفة"، ولم نلزم أياً من التدابير الاحترازية التي أوصينا بها، ولم نغير شيئاً من عاداتنا وسلوكنا.. بقينا، وإن بحذر، نلبس كما اعتدنا أن نلبس، ونتمشى كما اعتدنا أن نتمشى، ونسهر، ونستقبل أصدقاءنا "المتحررين والمتحررات" ونقيم الحفلات في المناسبات... ولم يحدث طوال أكثر من سنتين أن دق بابنا أحد ليستهجن "سلوكنا"، أو يسأل عن "ديننا"، أو يشكو من رائحة مشروب، كما لم تتعرض زوجتي "السافرة" لأية مضايقة في الحي أو في السوق أو في الطريق، ولم تقاطعها الجارات لأنها "سافرة".. بل العكس هو ما جرى، وراح الجميع يعاملنا باحترام لالتزامنا بدور "الشطف" في البناية واحترامنا النظافة العامة، ولسلوكنا الحسن مع الجيران والدكاكين المجاورة.
ومع اندلاع الاحتجاجات، ومسارعة التلفزيون الرسمي بفروعه المختلفة لترديد تهويمات بعض المسؤولين و"المحللين السياسيين" وأشباههم عن السلفيين والتكفيريين، حسبنا لوهلة أننا سنكون هدفاً سهلاً لأتباع "الأمراء السلفيين"، وأننا سنعدم أو سننفى في أقرب فرصة، لكن شيئاً من هذا لم يحدث على الرغم من أننا لم نغير من سلوكنا وملبسنا وعاداتنا، ولم نطلب من أصدقائنا وصديقاتنا التوقف عن زيارتنا..
وحين اشتركنا في الحراك الجاري، أنا من خلال المشاركة بمختلف الفعاليات الاحتجاجية السلمية، وزوجتي من خلال رش الأرز والملح على المتظاهرين والمشيعين ومواكب الشهداء، لم يقل لنا أحد: "اذهبوا فلستم منا"، بل كل ما لمسناه هو الاحتضان والقبول والتقدير والحماية..
ما اختلف علينا، هو ما اختلف على الناس جميعاً في "حرستا"، الكهرباء المقطوعة لساعات طويلة، والاتصالات المعدومة معظم الوقت، والحواجز المتعددة على امتداد الطريق، والمداهمات المتكررة للبيوت والمدارس والجوامع، وإطلاق النار ليل نهار دون أن نعلم أو نشاهد من يطلقه على من، والانتشار العسكري الكثيف في أيام الجمع.. مع فارق وحيد أن حركتنا أسهل في الدخول إلى حرستا والخروج منها، كون زوجتي سافرة، وكل الحواجز تعاملنا على أننا "مختلفون؟؟"، ولا علاقة لنا بهؤلاء "الرعاع" و"المشاغبين" و"العرعوريين" الذين يتظاهرون، بل إن بعض العناصر الواقفين على الحواجز، وأكرر: البعض فقط، لا يطلبون منا "الهوية" أصلاً، وبعضهم يحذروننا: "شو جايبكن لهون؟ إذا مو مضطرين ارجعوا"، أما زوجتي التي كثيراً ما تضطر لأن تستقل سيارة أجرة، فلطالما قال لها العناصر: "شو مسكنك هون يا بنت العم؟ بيعي بيتك وروحي عمنطقة تانية، أحسن ما يدبحوكي؟"..
الآن، علينا أن نعترف– نحن الذين ما نزال نزعم أننا معنيون بكل شيء، ونفهم في كل شيء- أننا لم نكن نفهم إلا القليل.. ففي الوقت الذي تعاملنا فيه مع شكل وطبيعة نمو المدينة/العاصمة بكل ما نملكه من "علمية" ومنهج مادي.. وحللنا بسهولة كيف تنمو العشوائيات السكنية بشكل سرطاني مع هيمنة الفساد وغياب التخطيط الاستراتيجي.. واكتشفنا دون عناء كيف يؤثر غياب التنمية المتوازنة على تدفق الناس من المدن والمناطق والأرياف السورية إلى العاصمة بحثاً عن العمل والعلم والفرص الغائمة.. وكتبنا الكثير عن هشاشة البنية التحتية وضعف الخدمات في حزام الفقر.. وفصّلنا أسباب أزمة السكن وأزمة المواصلات وأزمة الكهرباء وأزمة مياه الشرب وأزمة التعليم وأزمة الطبابة وأزمة الغاز والمازوت...إلخ.. فقد غضضنا النظر عن أشياء مريعة.. إذ لم نتفوه بكلمة واحدة عن طبيعة الفرز الديمغرافي الذي كان يتم بصورة نافرة أمام أعيننا خلال سنوات طويلة.. لم نتجرأ مرة واحدة على طرح سؤال جدي عن مآل استمرار غلبة الطبيعة "المناطقية" على التجمعات الناشئة في العاصمة وعلى أطرافها القريبة أو البعيدة.. لم نطالب القائمين على "الدولة العلمانية الوطنية" في أية لحظة أن يقدموا تبريراً لاستمرار سكن المهاجرين من أبناء طوائف محددة في مناطق محددة حصراً، واعتبرنا المسألة طبيعية، لأن الناس "قطيعيون" بطبعهم، ويميلون للسكن في الأماكن التي يسكنها أقرباؤهم وتتوفر فيها دور عبادتهم والمناخات المؤاتية لحركتهم ونشاطهم وطقوسهم وعاداتهم الاجتماعية..
لم نسأل أنفسنا بالعمق الكافي لماذا يسكن المهاجرون الفقراء ومتوسطو الدخل من محافظة السويداء في "جرمانا" و"صحنايا وأشرفيتها" و"التضامن" حصراً، وأبناء الساحل في "عش الورور" و"مزة 86" و"مساكن العرين" و"جبل الورد" حصراً، وأبناء "وادي النضارة" في "الدويلعة" و"جديدة عرطوز" و"صحنايا" حصراً، وأبناء القامشلي في "وادي المشاريع" و"جبل الأكراد" حصراً..
حتى ما قبل 15/آذار/2011 كان يكفي الرجل، أي رجل، أن يرطن ببعض الجمل المتفذلكة، وأن يورد بعض المصطلحات الغريبة بحديثه الفارغ غالباً، وأن يقول كلاماً لطيفاً بحق المرأة وحقوقها، وأن يسأل عن موعد السكرة التالية، والأمسية الشعرية التالية، والعرض المسرحي القادم... حتى نقول عنه إنه متحرر.. رغم أن الكثيرين من هؤلاء سرعان ما مارسوا "التشبيح" بأنواعه ضد المتظاهرين "المتخلفين" والمتظاهرات سواء كن سافرات أو محجبات بعد تفجر الحركة الاحتجاجية..
وكان يكفي المرأة، أية امرأة، أن ترتدي الجينز أو التنورة القصيرة وتكشف عن شعرها حتى نتعامل معها على أنها ربة التحرر، ونسمح لها أن تسخر قدر ما تشاء من اللواتي فرضت ظروفهن عليهن أن يرتدين الكثير من الملابس الغامقة، رغم أن نسبة ليست قليلة من هؤلاء أثبتن مع دخول آذار الفائت على البلاد، أن تحررهن لا يتجاوز ما خلعن من ملابس جداتهن.. وأن السفور أو التحجب لا يعني دائماً التحرر أو التخلف.
تعالوا نعيد الاعتبار لمدننا وإنساننا... فما كان وما يزال يخطط لها وله أعظم من أن نقف أمامه متفرجين... وأجمل هتاف يمكن أن نردده الآن: "واحد واحد واحد.. الشعب السوري واحد"..
[email protected]

تعليق



أشهد أن لا حواء إلا أنت

08-أيار-2021

سحبان السواح

أشهد أن لا حواء إلا أنت، وإنني رسول الحب إليك.. الحمد لك رسولة للحب، وملهمة للعطاء، وأشهد أن لا أمرأة إلا أنت.. وأنك مالكة ليوم العشق، وأنني معك أشهق، وبك أهيم.إهديني...
رئيس التحرير: سحبان السواح
مدير التحرير: أحمد بغدادي
المزيد من هذا الكاتب

"ميسّي".. قلب هجوم الثورة السورية!

08-أيار-2012

البطة الفوسفورية السمينة

07-نيسان-2012

الحراك الجماهيري.. وأزمة النظام والمعارضة

02-نيسان-2012

مؤامرة.. مؤامرة!

31-آذار-2012

قصة حذاء

25-آذار-2012

حديث الذكريات- حمص.

22-أيار-2021

سؤال وجواب

15-أيار-2021

السمكة

08-أيار-2021

انتصار مجتمع الاستهلاك

24-نيسان-2021

عن المرأة ذلك الكائن الجميل

17-نيسان-2021

الأكثر قراءة
Down Arrow