Alef Logo
أدب عالمي وعربي
              

ملائكة و ملائكة قصة: كارولاين كيبنيس ترجمة:

صالح الرزوق

خاص ألف

2012-06-12

حينما تعقد الخالة لي حفلات طوال اليوم، وتؤكد الوالدة أن درجة الحرارة في الخارج تبلغ مائة درجة أعلم أن الصيف عاد مجددا. قالت الوالدة في الصيف القادم سنشتري مكيف هواء وسنحصل على عطلة طويلة. وسنعبر البلاد مع الخالة لي ونذهب إلى كاليفورنيا حيث توجد مهرجانات وألعاب وربما نربح سيارة حمراء. ثم قالت بصوت خافت:" ولكن بشرط ، أن تكون خالتك واعية وبحالة مستقرة". كم أتمنى لو أصدقها، فهذا ما قالته في الصيف السابق، و حل هذا الصيف دون أن نتحرك من مكاننا، لذلك لا أعلم ماذا سيحصل بعد ذلك. وهي تقول إن السبب هو وضعنا الاقتصادي الذي لم يزدهر، ثم حكت رأسها وابتسمت بطريقة اضطرارية ، هذا كل ما لاحظته. لكن غداً هو يوم الرابع من تموز ولن نذهب إلى بيت الخالة لي لنشاهد الألعاب النارية. فقد سمعت الوالدة تقول: الخالة لي تلعب بالنار طوال السنة و تنفق على ذلك من ذخيرتها dope. كم هذا مضحك. لم أعلم أن للخالة لي صديقا تعاشره dope (1)، لأنني لم أقابله ولو أنها تعيش برفقة شخص غريب كان من المفروض أن أسمع بذلك.
أحيانا أسهر لوقت متأخر وأصغي للوالدة وهي تتكلم بالهاتف مع بعض المعارف. وكانت تقول لهم إن لم تتوقف لي عن ضغط الماسورة ستموت عاجلا، حتى ولو أنها كسبت بهذه التجارة الكثير من النقود فالنقود لا تدخل في شرايين الذراع ولا تريح. وتضيف الوالدة: لم تفعل لي في حياتها غير الترويج واستعمال الماسورة.. الترويج والماسورة.. هذا باختصار كل شيء. ويتكرر في دورة مغلقة. أحب أن أعتقد أنني أعرف الخالة لي بشكل جيد، ولكن لم أسمع يوما أنها تحب إطلاق النار من ماسورة مسدس في الهواء. وعندما استفسرت من الوالدة لماذا تطلق الخالة لي النار، ردت تقول كلا، لم تفهمي الموضوع كما يجب. وأنت صغيرة ولن تستوعبي ماذا تفعل حقا (2). وكانت الوالدة تخبر أصدقاءها إنها تعلم أن هذا التصرف لا يمكن التحكم به، وقالت إنها من فترة بعيدة تورطت بنفس الموضوع ولم تعرف كيف تتوقف. وقالت الوالدة هذا الشيء يؤثر في المشاعر ولا يوجد شعور أسخى منه، وكانت تفتقد له في كل لحظة. كنت أعرف كل التفاصيل عن حياة الوالدة ، ولكن هذه الماسورة، دائما أتساءل حولها باستغراب. لا أستطيع أن أتصور أنها جريئة لدرجة حمل سلاح .
ربما أزور الخالة لي بينما الوالدة في غفلة عني. الوالدة لا تحب أن أذهب إليها. تسللت إلى هناك مرة، بينما كانت الوالدة تتكلم عن أصدقاء لي وعن غبار الملائكة. كم أحب الملائكة. في عيد الميلاد، كنت أنا والوالدة نصنع ملائكة من ورق بشكل ملصقات تغطي كل جوانب المنزل. لدى سؤال الخالة لي عن غبار الملائكة، قالت هؤلاء نوع آخر من الملائكة، نوع نخبوي. ثم قدمت لي شيئا وقالت هذا هو غبار الملائكة، وطلبت مني أن أرسم إشارة الصليب على قلبي، وأن أتمنى موتها قبل وصول خبر ما تفعل للوالدة. .
مع غبار الملائكة أشعر بالحرية التامة مثل عصفور، كل شيء يصبح متلألئا وجميلا، كأنه قوس قزح، كأنه وحيد قرن. كانت الوالدة تقول إن الخالة لي تفعل ذلك لتهرب من الواقع، بهذه الطريقة تسببت بموت العم جاك وها هي الآن تدور حول نفسها مع ملائكة الجحيم. لم أكن أعلم أن بعض الملائكة تأتي من جهنم ولكن لا شك أن لذلك حكمة لو فكرت بالموضوع على تمهل. الجحيم و الفردوس كلاهما عالم ما ورائي حيث لا توجد صنابير تنقط أو صداريات لترتديها، هناك أنت ترتدي فقط حقيقتك المدفونة في داخلك. تقول الوالدة شيء جيد أن نهرب من كل شيء ونحن بحاجة لذلك ولو مرة بين حين وآخر، ولذلك ليس بوسعك أن تتأمل الناس وتطلق عليهم الأحكام، وتحدد الأسباب التي تدفعهم للهروب. بمقدورك أن تقلق عليهم. تقول أيضا: هذا الغبار خطير، والشرطة لا تحبه ، وبسببه يلقون القبض عليك ويودعونك السجن. ويبدو لي من البلاهة أن الشرطة لا يرغبون أن يشعر الناس بالسعادة والحبور، فالسعداء لا يقدمون على ارتكاب الحماقات. لا يزال معي القليل من غبار الملائكة وتنصحني الخالة لي أن أحتفظ به حتى وقت الشدّة والرغبة بالهرب والبحث عن ملاذ مسالم وعاطفي. كان لديها آنذاك أصدقاء أغراب بشعور طويلة وأردية جلدية فاحمة وقد أغرقوا بالضحك دون أن أستوعب لماذا. وقالوا إنهم الآن في الذروة ولكن ها أنا أرى أنهم هنا ، بجواري، على هذه الأرض (3).
وهكذا استيقظت باكرا في اليوم التالي وراقبت الصبي الكبير الذي يقف في المنعطف ويبيع بعض الأشياء. ربما كان يبيع غبار الملائكة، من يعلم. ذات مرة قدم لي لصاقة وأخبرني أن استعمالها لفترة سوف يكون له مفعول يشبه التزلج في قارب على أطراف قوس قزح.
في الواقع ، كلا.
كان هذا هو الصبي الأول. ذات ليلة سمعت صوتا مرتفعا وصاخبا مثل عربة إطفاء مع نفير. ولم أشاهد بعد ذلك هذا الصبي مرة أخرى. ثم في أحد الأيام شاهدت صبيا آخر يشبه سابقه، ولكنه أصغر، ولديه مواد جديدة قالت عنها الوالدة إنها مثل سابقتها.
حصل ذلك حينما توقفت لوسي وسوزان عن القيام بزيارة للبيت الذي أسكنه، لأن والدتيهما قالتا إنه مكان غير آمن وبجانبه تنتشر بيوت ترويج وكراكس (4). ولكن لا يوجد في أي بيت حولنا كراكس أو شيء من هذاالقبيل . بعضهم وضع ألواحا على النوافذ ولكن من غير كراكس . كم تبدو لي أم لوسي وسوزان حمقاوين.
ذهبت لبيت الخالة لي وقرعت الباب. كان لديها عدد كبير من الزوار وكلهم يترنحون أو ما شابه ذلك. كانوا يشربون الكوكتيل الذي يتسبب بالترنح دون السقوط الفاضح على الأرض. كوكتيل الوالدة لا يتسبب لي بالدوار ولا شك أن الخالة لي لا تعلم كيف تحضر الكوكتيل بشكل صحيح. اقتربت مني و حملتني وبدأت تؤرجحني حتى طارت قدماي. كانت عيناها محيرتين ولا شك أنها شربت الكثير من الكوكتيل لأنه ليس بوسعها الوقوف بشكل ثابت. إنها أشبه بولد يتعلم المشي، وهنا سألتها عن الماسورة فقد سمعت أصدقاءها يتكلمون عن نفس الموضوع ولكن كانت الموسيقا مرتفعة جدا ولم تتمكن من سماعي. وضعتني على الأرض وصاحت:" ماذا؟". ثم حصلت على قليل من السكر ووضعته في أنفها. قالت اسمه كوك وكم هذا غباء منها فالكوك ( 5) بني اللون ويكون معلبا. وقالت ربما تحبينه وكنت أشعر بالعطش لذلك وافقت وقلت حسنا فرافقتني إلى الغرفة المجاورة حيث توجد مرايا على كل الطاولات وأشخاص جلسوا على الأرض.
كان ملائكة الجحيم بسحنة مضحكة وهم فوق الأرض، كأنهم يمتلكون فائضا من العضلات التي لا تساعد على الجلوس بأسلوب الهنود المعروف أو ما شاكل ذلك وهكذا طلبت مني الخالة لي أن أجلس وما أن فعلت حتى نهض شاب بشنب كبير وغزير كأنني مصابة بوباء وقال للخالة لي أنت امرأة مريضة وشاذة فقالت لي لا تهتمي به وقدمت لي ماصة ولكن لم يكن معي كأس كوك فقالت الماصة ستدخل في أنفي وهذا كل شيء. كنا نفعل ذلك أحيانا في المدرسة. حسنا، كان الصبيان يقومون بذلك. يضعون الماصات في كل الثغور المتوفرة في وجوههم ويحركون أذرعهم مثل أجنحة. فقالت لي الخالة لي: من المفروض أن تضعي الماصة في السكر المتوفر على مرآة وتستنشقي منها بواسطة أنفك وستشعرين على الفور بالتحسن والانشراح. خطر لي ربما لو قمنا بتسخين علبة الكولا في الفرن لن يتبقى غير السكر وحاولت أن أسأل عن الموضوع ولكنها ذهبت لتغفو قليلا وهكذا فعلت كما شرحت لي ثم-
فجأة أصبحت الغرفة أشلاء ممزقة ولم أستطع الامتناع عن الضحك وشعرت أنني أفضل بنت في الوجود وأنني حقيقية جدا وبأطيب حال. ها أنا أخيرا نفسي ثم تلاشى كل شيء واسودت الغرفة وساء الحال وتصورت أنني أصبحت معلقة بالسقف أنظر لصورتي وهي في الأسفل على الأرض. كنت أبدو مثل الأموات. كما لو أنني أمثل دور موتى في لعبة عن جريمة غامضة. وحاولت أن ألملم نفسي ولم أعرف كيف وأخيرا استيقظت الخالة لي لأن أحد ملائكتها رفسها وحاولت أن تنبهني أنا أيضا وبدأت بالبكاء.
قالت لي:" استيقظي يا طفلتي. هيا استيقظي".
ولكن لم أفعل مع أنني كنت مستيقظة الذهن فقد كنت أعلم من أنا. كنت أرى الأشياء. وإن كان بصورة مختلفة. كأنني أراقب شاشة أو كأنني أحيانا أمثل وأحيانا أجلس في مقعد المتفرجين.
الشيء التالي الذي رأيته هو المقبرة بجوار المدرسة. الصفصاف الباكي هناك، وينبعث منه حفيف الأوراق مع النسمات. عائلتي هناك، تهمس. كل شيء له وشوشات، وهو يهتز مع الريح. بعض صديقات أيام المدرسة هناك ولكن ليس كلهن. كانت الوالدة تنظر للخالة لي بعين يقدح فيها الشر المستطير ولم أفهم لماذا لم أكن هواء. أين أنا إذا؟. من يتابعني بعينه؟. الوالدة لا تسمح لي أن أنتظر في البيت وحدي. ثم تذكرت آخر مرة كان بمقدوري فيها أن أتذكر شيئا يتخلل جسمي. ذلك كان حينما وقف الملاك الضخم بسرعة، وتخاصم مع الخالة لي، ثم داس ببوطه على كتابي وبعد ذلك وقبل أن يغادر اعتذر مني بقوله: كم أنا آسف.
سأتمسك الآن بهذه السماء وسأتساءل وأنظر وأتمنى لو معي القليل من الكوك المتميز ولكن علمت أنه ليس بإمكاني أن أحتفظ بشيء منه لأن جسمي لم يعد معي وهذا يعني أيضا أن أنفي ضاع مني للأبد. أتمايل. أنا عظام طرية وكسولة ولو أن الوالدة هنا ستصيح بي وتأمرني بالانصراف واللهو في باحة المنزل. أحيانا أرى الملائكة، ولا سيما المجنحين، وهم بلون أبيض ناصع وبمنتهى الحساسية. ولكن هؤلاء ليس لديهم غبار الملائكة.
وهم لا يتركون لدي الانطباع أنني وحيد قرن أو قوس قزح. إنهم أشبه بأصنام تحاول أن تصنعهم من الثلوج في أيام العطل المدرسية حين نرتدي ثيابا ثقيلة ضد البرد في العراء وفي باحات المنازل لنتأمل السماء. بودي لو أكرس وقتي للنوع الثاني. ولا مجال للتراجع. غبار الملائكة، أو ملائكة الجحيم الذين يضعونني في حضنهم ويسمحون لي بامتطاء دراجاتهم.
ربما تعتقد أختي الصغيرة أنني حمقاء. إنها تسير بصعوبة ولذلك تعتقد أن هؤلاء الملائكة أخيار وطيبون. فهم كما تعلم مهذبون وأبرياء ويعيشون في الفردوس. زد على ذلك إنهم أطهار. أتساءل اليوم من سيربح المعركة، واحد من هؤلاء أم واحد من ملائكتي. الجو هنا في غاية الإضجار. ولدي متسع من الوقت للتفكير بالمسألة. وأعتقد لو انتظرت هنا طوال العمر، حسنا.. لنقل لو تسنت لي فرصة العودة إلى هناك سأختار الكوك للشراب والملائكة التي نصنعها من الثلج. وهذا لا يهم. ولو عدت إليهم الآن سيجن جنون الوالدة وهكذا ستضيع فرصة الاستمتاع بهذه الزيارة...
كانون الثاني 2011
هامش للمترجم:
1- تلعب القاصة بالألفاظ و الطفلة هنا لا تفرق بين المعنى الظاهر البريء و الآخر المستتر للكلمات. فكلمة firework تعني اللعب بالقانون و تعني إطلاق الشهب النارية للاحتفال. و كلمة dope تعني المخدرات و تعني الرجل في نفس الوقت.
2- تلعب الكاتبة هنا باللغة أيضا. فكلمة تحقن نفسها و تطلق النار لهما تعبير واحد باللغة الإنكليزية و هو shoot up. و من الواضح أن الطفلة لم تكن تفهم الفرق بين ماسورة المسدس و أنبوبة حقن الممنوعات.
3- تلاعب آخر بالألفاظ حيث الطفلة لا تعرف الفرق بين ذروة النشوة و الوقوف على قمة مرتفعة.
4- تلعب الكاتبة أيضا هنا بالألفاظ، كراكس cracks تعني بالعامية الهروين و بالفصحى الشقوق. و بطلة القصة صغيرة و لا تميز الفرق في المعنى.
5- تلاعب آخر بالألفاظ لأن اختصار الكوكائين هو كوك فقط. و الطفلة تخلط بين الكوكا كولا و الكوكائين.

كارولاين كيبنيس: كاتبة أمريكية تكتب القصة و السيناريو. تعيش في لوس أنجليس.
هذه الترجمة باتفاق مسبق مع الكاتبة.

تعليق



أشهد أن لا حواء إلا أنت

08-أيار-2021

سحبان السواح

أشهد أن لا حواء إلا أنت، وإنني رسول الحب إليك.. الحمد لك رسولة للحب، وملهمة للعطاء، وأشهد أن لا أمرأة إلا أنت.. وأنك مالكة ليوم العشق، وأنني معك أشهق، وبك أهيم.إهديني...
رئيس التحرير: سحبان السواح
مدير التحرير: أحمد بغدادي
المزيد من هذا الكاتب

مقتطفات من : كافكا في المحاكمة الأخرى بقلم : إلياس كانيتي ترجمة :

17-نيسان-2021

قصائد مختارة لمارلين مونرو

03-تشرين الأول-2020

قصة / كانون الأول / كريستال أربوغاست

12-أيلول-2020

مدينة من الغرب اقصة : تميم أنصاري ترجمة

22-آب-2020

قصائد لهنري راسوف ترجمة :

20-حزيران-2020

حديث الذكريات- حمص.

22-أيار-2021

سؤال وجواب

15-أيار-2021

السمكة

08-أيار-2021

انتصار مجتمع الاستهلاك

24-نيسان-2021

عن المرأة ذلك الكائن الجميل

17-نيسان-2021

الأكثر قراءة
Down Arrow