Alef Logo
ضفـاف
              

نظرية أدب حركة المفتاح

راهيم حساوي

2013-05-06

تُمسك المفتاح بيدك لتفتح الباب ، تفكيرك ينحصر فقط في حركة المفتاح و أنت تديره بهدوء في ثقب القفل كي تفتح الباب ، تواجه مشكلة في فتح الباب رغم معرفتك التامة بأنّ هذا المفتاح لهذا الباب ، تهزّ المفتاح قليلاً ، و تشدّ الباب إليك ، لكن دون جدوى ، خلل ما لا تعرفه ، تقوم بإخراج المفتاح و إدخاله من جديد ، يعتريك شيء من القلق و التوتر و الأفكار التي تقود جملتك العصبية نحو التقلص ، يصبح كل ما فيك عبارة عن مفتاح يتحرك في ثقب قفل الباب لفتحه ، تكزّ على أسنانك و تحبس نفسك الذي لا علاقة له في حقيقة الأمر في عملية فتح الباب ، و كل ما فيك يريد أن يرى الباب مفتوحاً ، تغمض عينيك اللتين لا علاقة لهما في حقيقة الأمر في عملية فتح الباب ، و يتكثف العالم في حركة المفتاح الذي بيدك و أنت تحاول فتح الباب ، و تصاب برغبة عارمة في أن يتحرك المفتاح ، تخرجه ثم تعيده ، ولكن دون جدوى ، تبدأ تشعر بحرارة أو برودة المفتاح وهو بيدك ، تُصاب بشيء من التوتر الرهيب ، وينتابك تفكير بأنّ حظك من الحياة مرهون في هذا الأمر المتعلق بحركة المفتاح ، وكل ما تتمناه هو أن يتم فتح الباب حالاً حالاً.


و أنت تقود السيارة ، فجأة ترى نفسك قد كدتَ أن تدهس شخصاً ما دون أن تعرف كيف ظهر أمامك ، ودون أن تعرف كيف استطعت أن تنحرف عنه ، وكل ما تعرفه هو أنك انحرفت عنه دون أن تصيبه بأذى ، و يمر الأمر بسلام ، و ما أن تلتقي بأحد أصدقائك تروح تحدثه عن المكان الذي انطلقت منه بسيارتك وربما عن الأسباب و الظروف التي دفعتك للذهاب إلى هناك ، ثم تسهب في حديثك عن مدى فرحك الناتج عن سلامة ذلك الشخص الذي نجا من دهسك له بالسيارة ، و تروح تعبر عن مدى الألم الذي كان سيلحق بك لو أن ذاك الشخص أصابه مكروه بسببك .
ويبقى السرد ناقصاً !!!
و أنتِ تقومين بترتيب الأواني الزجاجية ، فجأة يسقط كأس من الرف ، وبطريقة ما تستطيعين الإمساك به قبل وصوله إلى الأرض بحركة خاطفة ، وربما هذا الكأس له ذكرى عزيزة عليك ، تشعرين بفرح يخرج منك على شكل تنهيدة ، فتحدثين جارتك عن هذا الذي حدث .
ويبقى السرد ناقصاً !!!
وأنت تبحث عن شيءٍ هامٍ في جيوبك يُصيبك شيءٌ من القلق حين تشعر أن هذا الشيء ربما ضاع منك رغم تأكدك من أنك قد وضعته بجيبك في الصباح قبل خروجك ، تدس يدك في جيوبك من جديد باحثاً عن هذا الشيء فلا تجده ، يزداد قلقك و توترك ، تمد يدك من جديد لتفرغ ما في جيوبك ، و أنت تفعل هذا تلامس يدك هذا الشيء المفقود فتجده ، و في المساء تحدث أحداً ما عن المشكلة التي كنت ستقع بها في حال لو أنك لم تجد هذا الشيء الذي في جيبك .
و يبقى السرد ناقصاً !!
إنّ التفاصيل التي بحجم الجراثيم تشكل عنصراً أساسياً في حياتنا ، ولكن هذه التفاصيل تبقى حبيسة لا يتبادلها الناس فيما بينهم من خلال كلامهم أو كتاباتهم ، وكل ما يتم تبادله هو ما قبل هذه التفاصيل و ما بعد هذه التفاصيل التي هي في أغلب الأحيان _ إن لم تكن في كل الأحيان _ تشكل جوهر الموضوع .
إن التحدث بصيغة أدب المفتاح يحتاج لتقطيع الإحساس درجةً درجة ، و تحويله لصور فوتوغرافية قادرة على نقل ما حدث لنا ، فلقد تمر ملايين التفاصيل التي تشكل حدثاً حسياً في داخلنا دون التطرق لها ونكتفي فقط بسرد الموضوع العام كأداء وظيفي ، وبما أنّ التحدث و الكتابة متعة و حاجة لدى الفرد فلماذا لا يعبر عن متعته هذه من خلال تلك التفاصيل التي لابد من أنها شكلت له ردة فعل على الصعيد الحسي .

فحركة اليد و ما رافقها من أنفاس و ارتفاع في الصدر و اصفرار في ملامح الوجه و حركة حدقات العيون و الموقف الذي تبناه الدماغ و الإحساس أثناء ملامستنا للأشياء مثل مقود السيارة أثناء لحظة الانحراف عن الشخص الذي كدنا أن ندهسه ، ومثل الكأس أثناء حركة تلقفنا له قبل وقوعه على الأرض ، ومثل ملامسة أصابعنا لذاك الشيء المفقود في أحد جيوبنا من بين بقية الأشياء ، هذه اللحظات المكثفة هي جوهر ما يجب أن نسرده أثناء تحدثنا إذ كان لابد من الحديث عن أمر حدث معنا ، و خاصة أن الدافع الذي جعل المتحدث يتحدث مع الآخر عن مثل هذه الحوادث هو تلك التفاصيل التي اشتعلت في داخله أثناء الحدث ، و يبقى هذا الحدث عالقاً بذهنه بسبب هذا الدافع الذي يبقى يثير ذاكرته إلى أن يجد مَن يحدثه عن هذا الأمر أو أن يكتب عنه ، و لكن الغريب بالأمر أنّ هذا الذي يتحدث أو أن هذا الذي يكتب يسرد كلّ ما حدثَ معه متجاوزاً ذاك المفصل الأساسي و الذي هو من شكل الدافع الحقيقي لسرده هذا .
فمثلاً لا يمكنني أنْ أسرد لشخص ما حادثة حصلت معي وهي أني ذهبتُ لبيت صديقي في الصباح و طرقتُ الباب ولم يكن هناك و عدتُ لبيتي ، ثم بعد الظهيرة عاودتُ الكَرَّة وذهبتُ لبيت صديقي من جديد ، وطرقت الباب ولم يكن هناك ، وبهذا القدر من الحادثة أصمت و أنهي الحكاية ، و بهذا يبقى السرد ناقصاً.
إن الدافع الحقيقي الذي يدفعني لسرد هذه الحكاية هو ذاك المشهد الصغير الذي شاهدته من خلال ثقب باب بيت صديقي في المرة الأولى صباحاً حين وضعتُ عيني على ثقب الباب ، وبما أنّ بيت صديقي بيتٌ صغيرٌ استطعتُ أنْ أمعن النظر في باب غرفة نومه التي يبعد عن باب البيت أربعة أمتار تقريباً ، حدقتُ جيداً في مساحة دائرة صغيرة لا يتجاوز قطرها (نصف سم ) شاهدت صورة مربعة الشكل طول ضلعها ( عشرون سم ) تقريباً ، كنا أنا وصديقي قد ألصقناها معاً على باب غرفة نومه ، وهي صورة لوجه (الملكة الفرعونية حتشبسوت ) ، كان باب غرفة نومه مفتوحاً نصف فتحة ، وكان وجه حتشبسوت يُطلُّ عليّ من خلال هذا الثقب ، أمعنت النظر جيداً ، ثم بدأت بتحريك رأسي قليلاً نحو اليسار كي أحظى بأكبر قدر ممكن من الرؤية نحو فتحة باب غرفة النوم ، إن أقصى ما يمكن أن أراه هو الجزء الضئيل من مساحة باب غرفة النوم أمام تشكل هلال بسيط لجانب رأس حتشبسوت ،
أمعنتُ النظر أكثر وكأني التقط صورة ثابتة للجزء الضئيل من مساحة باب غرفة النوم ، و الهلال البسيط لجانب رأس حتشبسوت ، استمتعتُ كثيراً وأنا أمعن النظر لدرجة أنّ صديقي لم يعد أمره مهماً لي بلحظات الإمعان المكثفة هذه ، كنتُ قادراً على البقاء لفترة طويلة وأنا أمعن بهذا ، كان دماغي مرتاحاً جداً ، فالعالم كله داخل عيني ، ولقد حفظت المشهد كاملاً مثل صورة بالغة الدقة ، و أي تحريف بها سأعرفه ولو بعد حين ، و حقاً عندما ذهبت من أمام باب بيته كانت الصورة محفورة في دماغي تماماً ، وحين عاودتُ النظر بذات المكان بعد عودتي في المرة الثانية شعرت أنّ أن الهلال البسيط قد انحرف قليلاً وبهذا الشكل أدركتُ أنّ صديقي في الداخل ، لقد طرقتُ الباب من جديد فقام وفتح لي الباب ، و لقد تبيّن أنه كان نائماً حين جئته في المرة الأولى ، و عرفتُ من خلال صورة ( حتشبسوت ) أنه كان بالبيت حين لاحظت تغير الصورة قليلاً .
إن لحظات تحديقي من ثقب الباب في الصورة هي اللحظات الأجمل من كل ما حدث لي من لحظة خروجي إليه حتى لحظة خروجي من عنده ، و إن لحظات تحديقي أفسحت لي المجال في تفريغ شحنات كبيرة كانت عالقة في داخلي ، و أنفاسي كانت أكثر حضوراً من أي وقت آخر ، و صفاء دماغي هو الآخر كان كذلك ، كل هذا و أكثر حدث أثناء لحظات تحديقي من ثقب الباب في صورة ( حتشبسوت ) ، وهذا الأمر هو الذي يقودني للحديث أكثر من أن أتحدث عمّا دار بيني و بين صديقي الذي جلستُ معه نحتسي القهوة .
ذات مرة كنتُ جالساً أشرب القهوة مع السجائر ، كان كل شيءٍ عادي ولا شيء يستحق الذكر ، أفكار الحياة تأتي وتروح ، والبعض منها يستقر و البعض الأكثر لا أعرف مدى أهميته ، و فجأة قمتُ بنفخ شهقة من دخان السيجارة التي كنتُ أدخنها و أنا أنظر لسقف الغرفة ، خرجتْ من فمي دائرة دخان صغيرة ، فتحتُ عيني على اتساعهما ورحت أحدق ، تعالَتْ الدائرة قليلاً ، ومالتْ و كأنها تتراقص في الهواء ، أو كأنّ الهواء راقصها ، شيءٌ غريب لا يشبه بقية دوائر الدخان التي قد تحدث أحياناً ، فلقد كادتْ أن تَقْلِب على نفسها ، وراحت تغيّر من شكلها ، تتمدد كما يحلو للهواء الخفيف الموجود في الغرفة ، ربّما هذا كان أمراً لا يستدعي كل الخلايا الدماغية للانتباه و الاندماج و الانغماس مع ما يحدث ، ولكن هذه الدائرة استدعتْ كل ما في داخلي حين راحت تقترب من مصباح الغرفة النازل من السقف ، لقد رأيتها و المصباح يبدو بداخلها ، و لم تصل بعد ، لكن كل شيء كان ممكناً ، كانت تعلو نحو احاطة المصباح ، و من جهة أخرى كان الهواء الخفيف الموجود في الغرفة قادراً على تغيير وجهتها ، لم يحدث إلّا ما كان فظيعاً ، اقتربتِ الدائرة من المصباح رويداً رويداً ، واحاطتْ بالمصباح حتى لامست السقف ، و اندثرت حبيبات الدخان بمجرد ملامستها للسقف ، وتلاشت الدائرة مُشَكِّلَةً خيوطاً متنائرة حول ضوء المصباح .
إنّ ما يحدث معي في تلك اللحظات كان ممتعاً أكثر من أي شيء قد أقوله لأحد ما ، أو أكتبه في جنس أدبي ، وذلك أن ما حدث معي كان له أثراً عميقاً وصادقاً وغير قابلٍ لاستدعاء اللغة من هنا وهناك حتى أتجمّل بها على حساب الحدث الذي حدث ، إنّ أغلب الأجناس الأدبية تتطلب هذا الاستدعاء كي يصبح الأمر أقرب للحِرفة و الصنعة منه لأي شيء آخر ، و قد يقوم المرء بهذا و ينجح به ، ولكن هل كان ذلك ممتعاً للكاتب أو المتحدث في حقيقة الأمر !؟
بينما في أدب حركة المفتاح يكون الأمر مختلفاً تماماً ، إنّ ما يحدث مع الكاتب أو المُتحدث هو أمر ممتعٌ و صادقٌ بكل تأكيد ، و أن أدب حركة المفتاح يندثر في الهواء دون أنْ يُدَوّن أو أن يُفْصَح عنه إلّا ما نَدر ، ويكون هذا في صياغ الكلام العام إن كان عبر النطق ، وفي صياغ المكتوب إن كان هذا عبر الكتابة ، و الأهم من هذا هو أنه يُذْكَر كشيء من الوصف لحدث قد حدث أو يحدث أو سيحدث ، ولا يُذْكَر على أنه حدث قائم بحد ذاته .
و أدب حركة المفتاح ليس هو أدب القصة والقصة القصيرة جداً ولا هو مقطوعة شعرية و هو ليس روايةً بكل تأكيد ، بل هو أدب قائم بحد ذاته ، قائم على حدث عميق يترك في النفس أثراً عميقاً عبر اصطياد هذا الحدث وفقاً للحالة الشعورية التي يكون بها المرء مع ورم في التفكير و التحليل لهذا الشعور المٌتفاقم ، وليس بالضرورة أن يكون هذا الحدث قصيراً كما تم ذكره أنفاً من أمثال ، بل ربما يكون حدثاً طويلاً و لكن بذات السمات التي سبق ذكرها عبر الأمثال المذكورة ، و هو أمر مرهون بالذات التي تختلف من شخص لآخر ، ولا يمكن أن يكون حدثاً عاماً يتفقُ عليه الجميع ويلامسه الجميع بذات المفهوم المنطقي كما يحدث عادة في الأحداث الروائية بغض النظر عن لغة الروائي و هذا ينطبق أيضاً على القصة بفرعيها ، أوكما يكون الحدث الشعري من خلال لغة الشاعر في حال أننا اعتبرنا أن اللغة هي الحدث الشعري في القصيدة ،
_كنتُ جالساً أشرب القهوة في كافتيريا ، كنتُ في أعلى نقطة من الصفاء يمكن للذهن أنْ ينالها ، نظرتُ من الزجاج الذي يفصلني عن الشارع ، رايتُ شابةً تمشي بطريقة ما ، هكذا ، كانتْ مشيتها مشيةً عاديةً جداً ، لكن شيئاً ما راح يسري بدماغي ، ضغطتُ على أسناني و أنتابني شعور عارم بضرورة هزّ هذه الشابة من كتفيها كي أجعلها تُغيّر طريقة مشيتها ، لا لشيء ، فقط لأنّي شعرتُ بالعجز أمام شيء لابدّ من فعله ، و هو تغيير مشيتها ، هكذا فقط لأن شيئاً راح يسري بدماغي ، شعرتُ بالشلل في هذا ، كيف لي أنْ أُسيطر على ما دار في دماغي ؟
_ذات مرة كنتُ بالباص ، مرّ من عند منعطف بهدوء ، نظر إليّ ولدٌ و مدّ لسانه لي ضاحكاً ، تدفق الفرح كله بي دفعة واحدةً .
_بين الزحام سمعتُ الأم تقول لطفلها الذي في العاشرة : علينا أنْ نسرع قبل أنْ يبرد الطعام !!
_كنتُ على البلكون أنظر نحو الأسفل ، امتلأ فمي باللعاب ، كنتُ أرغب بأنْ أبصق من الطابق الرابع نحو الأسفل ، الشارع خالٍ تماماً ، خشيتُ أنْ يراني أحدٌ وأنا أبصق نحو الشارع ، ربما أحدٌ ما من سكان الطوابق التي في الاسفل قد يرى البصقة تمر من أمامه ، ربما تقع فوق راسي أحد ما ، ربما يراني صديقي الذي يجلس في الصالون رغم أني أدرتُ له ظهري ، ورغم أنه مشغول ، اللعاب يتحرك بين اسناني ، و باطن خدَّي يحرك اللعاب استعداداً للبصقة ، لحظة واحدة وتكون بصقة في الهواء نحو الأسفل ، تردد فظيع ، و رغبة افظع ، كأني أريد أن أطلق رصاصة في راس أحد ما .
_كنتُ أود شراء شيئاً ما ، سقطتْ قطعةٌ نقدية من يدي ، ارتطمتْ بفخذي ثم ركلتها بقدمي نحو الاعلى ، فطارتْ القطعة أمام صدري فالتقطتها بيدي فابتسمتُ فَرِحاً و ابتسم البائع الذي كنت عنده .

كثافة خارج كل أنواع الأدب الذي عرفناه هو أدب حركة المفتاح .

تعليق



أشهد أن لا حواء إلا أنت

08-أيار-2021

سحبان السواح

أشهد أن لا حواء إلا أنت، وإنني رسول الحب إليك.. الحمد لك رسولة للحب، وملهمة للعطاء، وأشهد أن لا أمرأة إلا أنت.. وأنك مالكة ليوم العشق، وأنني معك أشهق، وبك أهيم.إهديني...
رئيس التحرير: سحبان السواح
مدير التحرير: أحمد بغدادي
المزيد من هذا الكاتب

نظرية أدب حركة المفتاح

06-أيار-2013

شرفةُ ميمِ أمي

21-آذار-2012

محمد علي كلاي

06-آذار-2012

حديث الذكريات- حمص.

22-أيار-2021

سؤال وجواب

15-أيار-2021

السمكة

08-أيار-2021

انتصار مجتمع الاستهلاك

24-نيسان-2021

عن المرأة ذلك الكائن الجميل

17-نيسان-2021

الأكثر قراءة
Down Arrow