
    

    
التاريخ واليوتوبيا: الخط الفاصل بين الحقيقة والخيال ستيف فيغنشتاين ترجمة :
صالح الرزوق
خاص ألف
2019-06-22
تتراكم العناوين في قائمة الروايات التاريخية، وكذلك في قائمة روايات المدن الفاضلة (وحاليا ربما ينافسها روايات المدن الشريرة). ولكن يوجد القليل من هذه الأعمال التي تشترك بصفات النوعين (أعمال الذاكرة واليوتوبيا). فالتاريخ والمدن الفاضلة اتجاهان متضادان. لقد سحرت اليوتوبيا المؤرخين وعلماء الاجتماع، وشكلت تحديا يفسر دواعي ندرة الكتاب الذين ينتمون لهذا النوع. ومنذ البداية كانت رواية المدينة الفاضلة/ أو الشريرة تتابع إما المستقبل أو الحاضر الممتد على جغرافيا غير محددة. ولهذا السبب وحده، وجد كتاب الرواية التاريخية أن هذا النوع غير مضياف، وليس كريما معهم. فقلة من الروايات عالجت المجتمعات الحقيقية بأسلوب متخيل. مثلا رواية مجنون العصر لتيرا زيبورين (2001) رسمت صورة ابن ينتمي لمستعمرة أونيدا في ولاية نيويورك. وكان متحمسا للمطهرات الجنسية، وهو ما يشير لمثالية المدن الفاضلة، وأساليب الكبت المتصاعد فيها. أما رواياتي شخصيا فتتابع موضوعات مبنية على شخصية من القرن التاسع عشر وهو إيكاروس. وكان نموذجا لرواد الاشتراكية الفرنسية الذين كان لهم مستعمرات في الولايات المتحدة من عام 1848 وحتى 1898.
وبالمثل، رواية "طريق إلى ولفيل" للكاتب المعروف بويل (1993) تصف جوانب مظلمة وهزلية من مشروع يوتوبيا أخرى، بالتحديد مشروع مصحة تعود لنهايات القرن التاسع عشر وبدايات العشرين. وكان يديرها جون هارفي كيلوغ في منطقة باتل كريغ من ولاية ميشيغان. وكان النزلاء فيها مهووسين بالصحة، ويبحثون عن الخلاص من خلال اتباع نظام كيلوغ الذي يعتمد على التغذية النباتية، وإنكار الذات، وتنظيف الكولون بـ "الحقن الشرجية". ولم تهمل الرواية ملاحظة الكيان المتسلط الموجود في اليوتوبيا والذي ترمز له كاريزما المدير الممسك بزمام الأمور.
تخطرفي الذهن أسئلة حول عمل بويل. أولها سؤال عن العاطفة الأمريكية، وعلاقتها بالموسوسين والمتصلبين. فشخصية الرجل المحافظ والمتشدد، على ما يبدو، كانت تنتشر على نطاق واسع في تاريخ وأدب أمريكا. ويرد بويل على هذه الملاحظة بقوله: نحن أساسا أمة ضد التسلط،، وقد نشأت أنا على أنغام ثقافة يوتوبية. وأمتنا على نحو متفرد تقبل القائد (ربما الرجل المحافظ) الذي "يطلب منا أن نهبه أنفسنا، وأن نستسلم لنظامه، مقابل تنظيفنا وتطهيرنا".
ومن أعمال بويل التي تحمل هذه الأفكار أذكر "المرأة" (عن فرانك لويد رايت). و"الحلقة الداخلية" (ألفريد كينسي)، والثلاثي (جون ألين وبرنامج بيوسفير 2 ). وهذه الأمثلة على سبيل الذكر لا الحصر. أما في "الطريق إلى ولفيل" فإن انهمام الشخصيات بالحمية له تداعيات معاصرة على ما يبدو. ويمكن ربط ذلك بتجليات اليوتوبيا. وعن ذلك يقول بويل: حتى في بواكير التسعينات حينما كنت أكتب "الطريق إلى ولفيل" كنت مفتونا بالتشابه بين المبشرين الأوائل بالطعام الصحي ومن يهتم به اليوم. ولكن كان غذاؤهم ونشاطهم قصير الأجل. كانت عند كيلوغ أفكار هامة – الحمية النباتية، منع الكحول والتبغ، وتشجيع الرياضة بانتظام. وما جعله مكشوفا (ومثيرا للريبة) بنظري هو توجهه اليسوعي وتزمته. (بالمناسبة أعجبت بنسخة فيلم ألان باركر الذي أدى البطولة فيه أنتوني هوبكينز بدور الدكتور كيلوغ المنذر بخطر دائم لكن غير قاتل). بالإضافة لذلك، أرى أننا موسوسون بالطعام النقي والنظيف ونحن نعتقد أنه جزء هام من تجليات اليوتوبيا إن شئت الدقة. وفي "الطريق إلى ولفيل" نحن نتساءل: هل وراء ذلك أية غاية غير
المحافظة على أرواحنا (وكياننا البدني أيضا)، وهل من سبيل لذلك غير الابتعاد عن مصادر الموت والفناء؟.
عن التوازن بين الحقيقة والاختلاق، وأين يجب أن ترسم الخط الفاصل بينهما، يقول بويل: الرواية لا تفرض أي شيء عليك سوى أن تحترم فنيتها. وهذا يعني، أنه في كل رواياتي التاريخية، كنت مدفوعا بقوة الأحداث الفعلية المتميزة وما يقابلها من أحداث راهنة (كيف نصل إلى هذه اللحظة)، ولذلك قدمت التاريخ لكم كما تلقيته. وكل حقائق حياة كيلوغ صحيحة ودقيقة (وكذلك تصوير حياة فرانك لويد رايت في رواية "المرأة" وصورة ألفريد سي كينسي في "الحلقة الداخلية" – وأفترض أنه ما لم أكن روائيا لكنت مؤرخا. ولكن يمكن للروائي أن ينقب في الأدمغة ووجهات نظر الشخصيات التاريخية بطريقة غير متاحة للمؤرخ. وهذا مصدر متعة فائقة لي. لقد أصبحت مشكلة الخط العازل بين الخيال والحقيقة واضحة لي تمام الوضوح.
*ستيف فيغنشتاين : روائي أمريكي من أهم أعماله رواية "لغة الأشجار". صدرت عام 2017.