Alef Logo
ابداعات
              

مقاربة صورة الأنثى في شعر السياب

سامح كعوش

2007-08-30

أنثى بدر شاكر السياب لم تكن وفيقة التي كتب لها أكثر من قصيدة منها "شباك وفيقة"، و"حدائق وفيقة"، ولم تكن سلوى التي كتب لها قصيدة باسمها، ولم تكن أياً من النسوة اللواتي عرفهنّ في حياته، ونظم فيهن أعذب قصائده. بل كانت أنثى لم يكتبها الشعراء، ولم يحتوِ مقاييس جمالها وصفٌ بنائيٌّ قبلاً لمشهدٍ جسديٍّ مألوف كما مشهد جسد الأنثى، وتفاصيل تكوّنها وتشكّلها بريشة الحلم لا الواقع.
ولأنها لم تكن وفيقة ولا ليلى ولا لميعة ولا سلوى، فقد كانت إحالةً على المستحيل الغرائبي، كأنها تعب السؤال في عيني النهار، أو نجمة تنبض باشتعال الشاعر عند ولادة شمس قصيدته، أو هي دفء الدمع في انكسار القلب لعشقه الخرافة، أو يد عشتار تخلق حبيبها لتخنقه بسلطتها وسطوتها كما فعلت في الملحمة العراقية القديمة مع الحصان، وأنكيدو، وجلجامش، حين تنفتح على حبيبها من عينيها السحريتين الشيطانيتين أبواب جهنم تبشره بعشقٍ آثم. فالأنثى في شعر بدر شاكر السياب استدعاء صوريٌّ متخيّل لأنثى عشق تأتي من عوالم أسطورية مغرقة في الغرابة والقدم، ولا تتحقق في القصيدة الحياة، إلا برمزية الدلالات النفسية والفكرية التي يقتضيها التداعي
الحر لصور متلاحقة في ذاكرة بدر شاكر السياب عن نسوة عرفهن في حياته وشاركنه تعبَ قصيدتهِ وعذبها.
والإحالة على المستحيل الغرائبي لعبةٌ برع فيها بدر شاكر السياب، وتجلت في إتقانه الوصف الأسطوري وإسناده سحرية فعلية لأجزاء دون غيرها في أنثاه، فعيناها تشكلان مفتاح العالم الأسطوري، ومدخله إليه. وكأنه يقلب معادلة علاقة الجزئية بالكلية، فكل الحبيبة في شعره هو العينان، والجسد هو بعض هذا الكل، لا يتحرك إلا في مجال الرؤية، من نظرة الشاعر إليها وفيها، فإغماضه على ما سرقه منها ليشتعل به، يقول في قصيدة "أغنية بنات الجن":
"حبيبك الوفي مسّ ثغره ابتسام
فقد رأى سواكِ
بل رآكِ في قوامها النديّ كالزهر
وهدبها ومقلتيها، أشعلَ الهيام
في عينهِ السهر".
كأنه يستعير منها ما يكتب القصيدة، في تكوّن وادي عبقره الخاص الأمازوني الطابع "بمعنى بلاد جنس الإناث وحدهن".
وهو يحيل الرؤية إلى مرجعية حافلة بالتناقضات ودلالات صورة أنثاه في اللا وعي والتي لا يستطيع تسجيلها بالعين، بل تتحرك ككائن ذي حواس متعددة، لا يدركها المنطق البصري المألوف، ولا يمتلكها الإنسان العادي، تملك على الشاعر دنياه، فتحمله إلى عوالم افتراضية غيبية، وتحلمُهُ بالهيام الشّفاف كالبلّور، الحاد كبصر زرقاء اليمامة، العميق حتى آخر رعشة قلب تحقق الرغبة المطلقة الكاملة في امتلاكه النساء جميعاً، في عينينِ تتخذان من فعل عشتار، ورمزية غيرة الإلهة "حيرا" في الميثولوجيا الرومانية من ضرّتها الإنسية التهابهما بالرغبات والغوايات والمشاعر الدنسة القاتلة.
والرؤيوية الافتراضية لا تتحقق إلا ببنات الجن، إناث الشاعر اللواتي يمتلكن قدراتٍ سحريةً تتمثل في المسّ الذي يدفع بالشعراء إلى الجنون. فهنّ بحسب قول السياب نفسه "للشاعر إن شعر، يلُحنَ في الدخان، ينشدن فلك سندبادٍ ضلّ طريقه، حتى أتى جزيرةً يهمس في شطآنها المحار، عن مليكةٍ يحبها القمر"، وهنّ أدوات شاعرية السيّاب الشاعر الرجيم كما يحلو له أن يسمي ذاته، كأنهن يد الشيطان في دم قصيدته، يقول في قصيدة "الشاعر الرجيم":
"تريد أن تمزّق الهواء
وتجمع النساء
في امرأةٍ شفاهها دمٌ على جليد
وجسمها المخاتل البليد
أفعى إذا شئتَ، وسادةٌ على الفراش
لا تريد
أن تفتح الكوى ليدخل الضياء".
وللشاعر شيطان اللغة العابث بدم حروفه يشكّلها كما يريد، ويفرض عليه شكلاً فوضوياً هلامياً للمرأة، يتمطّى في لزوجةٍ عشرية الأبعاد، فهي حيناً مومس، وأحياناً أم، والشاعر يكتب ما يراه في عينيها، وعندما يفرغ من كتابة القصيدة يقتلعهما، لتبقى اللحظةُ معلّقةً في سماء اللغة الشعرية، متوهجةَ الأوار، أزلية الأثر.
وعينا أنثاه ليستا "غابتي نخيلٍ ساعة السحر، أو شرفتين راح ينأى عنهما القمر" كما ادّعى في قصيدته "أنشودة المطر"،فهو يرسم في قصائده صورة عينين شيطانيتين لأنها دنسٌ من نارٍ وحريق، وروحٌ شريرةٌ تنفث السموم في وجوده، وترميه بسهام الغواية ليسقط فيها، يقول:
"كأن أفريقية الفاترة الكسول
أنهارها العراض والطبول
وغابها الثقيل بالظلال والمطر
وقيظها الندى والقمر
تكوّرت في امرأةٍ خليعةِ العذار
رضعتَ منها السمّ واللهيب
قطرت فيها سمّكَ الغريب
كأنها سحابة الدخان والخدر"
والغواية في تجربة بدر شاكر السياب الشعرية واليومية معاً، هي اكتمال إنسانيتهُ أولاً، وشاعريته ثانياً. وهي نصفه الآخر في الانفصام، حين يخاطب نفسه، فيقول:
"أقمتَ منها بين عالم تشده نوابض النضار
وبين عالم من الخيال والفكر
من نشوةٍ جدار
تقبع خلف ظلهِ فلا ينالك البشر"
هو الشاعر الذي أدرك لعبة الشعر، بين القصيدة ولا تحققها، في فراغها من المعاني الواضحة المباشرة، كأنها البياض السحري، أو الرسم بالحليب والعسل، بريشةٍ مقدّسةٍ يغمسها في أنهار جنته الموعودة، وإن لوّثها أحياناً دمعه الأسود، وتشاؤميته المرة، كالدم المتخثر من جرح شاعر غدرت به الحياة، وظلمته الحبيباتُ، فمضى يزرع كلمات كتابه الآثم في حديقة الدم، تشرب من حروفه سلافة الجحيم، يقول:
"كأنها أثداءُ ذئبة على القفار
حليبها سعار
وفيئها نعيم".

تعليق



أشهد أن لا حواء إلا أنت

08-أيار-2021

سحبان السواح

أشهد أن لا حواء إلا أنت، وإنني رسول الحب إليك.. الحمد لك رسولة للحب، وملهمة للعطاء، وأشهد أن لا أمرأة إلا أنت.. وأنك مالكة ليوم العشق، وأنني معك أشهق، وبك أهيم.إهديني...
رئيس التحرير: سحبان السواح
مدير التحرير: أحمد بغدادي
المزيد من هذا الكاتب

افتتاح المؤتمر الدولي الثاني عن الآثار في الإمارات‏

03-آذار-2009

لا يشبهنا في الموت أحد

09-كانون الثاني-2009

الذاكرة تحفر في متخيّل شعراء الحداثة في دول الخليج

09-تموز-2008

لغتي ابتداءُ الكون

07-حزيران-2008

تحولات الرّمل: وعي الاستمرارية في التجربة الروائية في الإمارات

02-آذار-2008

حديث الذكريات- حمص.

22-أيار-2021

سؤال وجواب

15-أيار-2021

السمكة

08-أيار-2021

انتصار مجتمع الاستهلاك

24-نيسان-2021

عن المرأة ذلك الكائن الجميل

17-نيسان-2021

الأكثر قراءة
Down Arrow