Alef Logo
ضفـاف
              

في الحقيقة .....!

جلاديس مطر

2006-09-18

في واحدة من خطاباته النارية، صرخ أبراهام لنكولن " أنا أؤمن بقوة بالشعب . طالما نضع بين يديه الحقيقة كاملة غير منقوصة، فإنه يمكننا الاعتماد عليه في مواجهة أعتى الأزمات القومية و الوطنية . كل ما هو مطلوب في المواجهة هو أن نقدم له الحقائق كما هي بدقة!"
الحق، لا تندرج عبارة لنكولن ضمن قائمة الكلمات و الجمل العاطفية المسطحة التي اعتدنا على سماعها في تصريحات الصقور الأمريكيين المعاصرين حين يتحدثون لشعبهم عن الإرهاب، و هي ليست كذلك، عبارة فالتة مقتطعه من كتاب ديني أو نص روحي قديم، كما أنها ليست لغزاً أو تعويذة سحرية مدفونة في التراب، وهي أيضا ليست ( لعبة كلمات ) تذرى في عيون الشعوب التي أفلستها الحروب و المناظرات الفضائية و أنهكتها الصراعات ووجهات النظر .
إن عبارة لنكولن، بالعمق، هي أساس كل ترسانة فعلية لمطلق أمة تريد أن تحصن نفسها بشعبها أولا!
والملفت انه بعد مائة و خمسين عاماً تقريباً على هذا الرأي، كل ما تفعله الإدارات الأمريكية المتعاقبة هو مخالفة كاملة لهذا القانون . فليس الشعب الأمريكي ترسانة الأمة و لا حتى جيشه الذي يرسل كمرتزقة إلى دول العالم من أجل نشر الديمقراطية و تجربة الأسلحة الجديدة و المحرمة على شعوب كل جريمتها إنها حملت كتاب الله وصبرت.
لا يصارح الرؤساء الأمريكيون الجدد شعوبهم بالحقائق فيحولونهم إلى ترسانة متينة بدلاً من شراذم من الشعوب المهاجرة التي انقلبت كلها إلى كتيبة واحدة من دافعي الضرائب و فواتير العيش الشهرية .
و لكن ما هي الحقيقة التي يخاف بوش مثلا من إعلانها لشعبه ! ما هي الحقيقة التي يخاف الحكام العرب البوح بها أمام أنفسهم قبل شعوبهم؟ أي كرسي اعتراف ضخم سوف يهيأ من أجل الاحتفال بها ! أي علم سوف يرفع أمامها ! وأي أنخاب سوف تشرب في صحتها و على شرفها!
فيما مضى كان الرجال، حتى الأكثر تيهاً، يغامرون بالتفوه بها حتى و لو كانت رقابهم تحت تهديد المقصلة .
هكذا بنيت البشرية فوق ركام الحقائق التي لا لبس فيها و ليس فوق الأوهام الكاذبة . صحيح أن تاريخها لم يعرف فجراً طاهراً، و كان في أغلبه نهر دم جار بسبب جدل العقائد والأفكار، غير أن الحقيقة كانت تقال دائما لأنه لم يكن هناك وسيلة أخرى غير التفوه بها! والمشاهد كثيرة في التاريخ عن رجال و نساء سيقوا إلى حتفهم لأنهم تجرأوا و أعلنوها!
اليوم لكل منا حقيقة يريد أن يعلنها و يسوق براهين الدنيا والآخرة لكي يثبت مصداقيتها ! فالمقاومة عندنا هي إرهاب عندهم، و أطفالنا هم أقل شأنا من أطفال بني التوراة، و أحلامنا ليست إلا عصي في دواليب الحلم الأمريكي الطويل الذي لا نهاية له، و نسبيتنا الثقافية معيق أمام ركب العولمة المنطلق، و عاداتنا وقيمنا حجر عثرة في وجه حقوق الإنسان، و نفطنا جوهرة بين أيدي أغبياء من أمثالنا لا يعرفون كيف يحتفظون به .
لقد سمحت الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان بكشف المستور .فإذا كان الحلم الأمريكي في هذه المنطقة هو ترويج للديمقراطية كدين جديد لها، إذا فليفتح هذا الباب على مصراعيه في أميركا اليوم و لنتفرج على ( صندوق الدنيا ) يحكي لنا قصة التمييز العنصري و الإثني الذي ما زالت تجري فصولها إلى اليوم، و لنر أية حقيقة تقف وراء هذا الحلم الذي لم يكتمل لدى اغلب الأمريكيين السود في بلد دخل في حرب ( الخامات ) مع الآخرين بسعير وحش كاسر لا يرتوي . لم يأت رئيس أمريكي واحد إلا وتحدث عن هذا الحلم كما يراه هو، وعن الديمقراطية كما أوحت له بها بنود الاستقلال ، وكما لاحت له ( الحقائق ) من زاوية رؤيته التي ينعشها من وقت لآخر المستشارون الجهلة بالثقافات الأخرى .
حين أتى نيكسون إلى الحكم ورث من سلفه الديمقراطي ليندون جونسون حرب فيتنام . و في واحدة من خطاباته المتلفزة من مكتبه في البيت الأبيض إلى الأمريكيين اعترف أن الانقسام الشعبي الرهيب فيما يتعلق بهذه الحرب يرجع إلى كون الكثيرين قد فقدوا ثقتهم بما قالته لهم حكومتهم حول سياستها الخارجية . لقد اعترف الرجل بأن الشعب لا يجب أن يدعم سياسة لا يعرف ( حقيقتها ) تماما لا في الحرب ولا في السلم . و هكذا كان عليه أن يجيب على كل التساؤلات التي شطرت شعب أميركا إلى نصفين بغية استعادة شيء من الثقة بالمؤسسة السياسية التي كانت قد وصلت إلى هاويتها بسبب تلك الحرب . ومع ذلك تملص نيكسون من الطلب إليه بسحب كل قواته من ساحة المعركة فورا قبل أن تصبح حرب جونسون حربه هو أيضا . و عاد من جديد يزور الحقائق في نفس الخطاب الذي أراد فيه إعادة الثقة لإدارته المرتبكة أثر الغزو ،وهو ما يشبه تماماً مماطلة بوش في الوقف الفوري للحرب على لبنان، واستعمل حق الفيتو أمام دهشة و غضب العالم كله . فإذا وجد نيكسون نفسه غير قادر على وقف الحرب فورا و مجبرا على محاربة المد الشيوعي في تلك المنطقة و المدعوم آنذاك من الصين و الاتحاد السوفيتي، إذن أية (حقيقة) كاذبة ساقوها في حرب لبنان الأخيرة حينما ماطلوا في وقف فوري لإطلاق النار؟ أين هي الحقيقة حمالة الأوجه هذه ؟ و حقيقة من هي الحقيقة؟
لقد ادعى كنيدي بفصاحته أن كل ما تطمح إليه إدارته هو أن ترى حكومة سيدة، حرة، مستقلة ( استعمل نفس الكلمات ) في فيتنام تدافع عن استقلالها ضد المد الشيوعي، و لهذا فان انسحاب قواته سيكون أمراً غير مقبول لأنه لا يقوض السلطة في جنوب فيتنام و إنما في جنوب شرق آسيا كلها و هذا كان رأي ايزنهاور وجونسون و نيكسون من بعده .
هكذا كانوا يرون علم السلام الأمريكي مرفرفاً فوق جثث الفيتناميين . وهذا بالضبط ما تفعله الإدارة الأمريكية الحالية في لبنان الذي تريد أن تدعم الحكومة في وجه مد "شيعي إيراني" كما تدعي تحت عنوان استقلال قرار البلد بينما في الواقع تريد خرق المنطقة كلها من البوابة اللبنانية دون أن تسمح لرأس أن تستقيم أمامها .
مرة ثانية، حقيقة من هي الحقيقة؟
اليوم، حين نرى الأصابع ترسم علامات النصر و هي تخرج من نوافذ عربات العائدين إلى ديارهم الممزقة نعرف أن كل ما نريده هو التمسك بحقيقتنا البسيطة، ووجهة نظرنا، ورؤيتنا للأمور ! أي إيمان بهي هذا الذي يدفع طفل للابتسام نصراً بينما جثة أخيه تحت الأنقاض ! أية روح تتلبس النساء و هن يحاضرن أمام رهبة ركام الأبنية عن ثقافة المقاومة ! أين رايس و بوش و اولمرت و كل هذه الجوقة من العازفين السياسيين نصف الموهوبين المرتبكين أمام مكبرات الصوت التي تزدحم أمام تصريحاتهم المكررة؟
حقيقة من هي الحقيقة؟
حين كان يتفقد الرئيس ( المؤمن ) أنور السادات من طائرته الهليكوبتر القاهرة من عل، كان يرى كل شيء يسير على ما يرام . النيل يجري في مكانه المعتاد بخطه المتعرج عابراً الغيطان الكثيفة الماثلة بخضرتها أمام زرقة السماء، بينما تعبر السيارات والمراكب الصغيرة الجسور التي تربط ضفتي المدينة ببعضهما البعض . كان السادات يتنفس الصعداء أمام هذا المشهد وهو يمسح على قبضة عصاه التي لم تكن تفارقه و قد ارتاح في بزة عسكرية من تصميم ( بيار كاردان ). لقد كانت هذه حقيقة مصر من فوق . أما لمن كان متورطاً في أدغالها و صخبها فكان هناك وجه آخر لهذه الحقيقة.
إذا أين هي الزاوية – الصواب التي يجب أن نقف فيها و نتطلع إلى الحقيقة؟ وهل هناك حقيقة واحدة أم أنها نسبية تتحرك بسرعة دائرية فوق محورها، كقنبلة انشطارية تندفع في كل اتجاهات بحيث نفقد معرفة مصدرها.
مع ذلك، الخطأ وحده ما يحتاج إلى دعم الحكومات و ترقيعها، لان الحقيقة بإمكانها المقاومة و الاستمرار بقدرتها الذاتية .و يبدو أنها في حربنا الأخيرة استطاعت أن تقف بذاتها تماماً وأن تكسب في ضربة واحدة و إلى الأبد ما خسرناه عبر العصور الماضية كلها. إن من يتصرف و يحيى و كأن الحرب لم تقع، و كأنه لم يكن هناك انتصار لنسيج الروح اللبنانية أو تغيير في معايير الواقع، سوف تدوسه مدحلة الحقيقة المتحركة الآن من دون توقف.
أتذكر الآن قصة رويت عن هارون الرشيد حينما رأى رجلا يسدد قضيباً من معدن إلى حلقة ضيقة فيصيبها عن بعد، فأمر بان يكافأ وأن يجلد في الوقت نفسه . و لما سئل عن سبب هذا الحكم الغريب قال : أما المكافأة فترجع إلى مهارته في التصويب و الإتقان، و أما الجلد فلأنه ضيع وقتاً من حياته على ما لا طائل منه .
أين آثار هذه المقدرة في المشهد العربي الحالي ؟ صحيح أن هارون الرشيد ليس المثل ربما المحتذى في كل شيء، غير أن سبب العقوبة يتجاوز تماما العقلية العربية المتعارف عليها، عقلية الدهاليز و الهروب من الحقيقة . فلا تثير انتباه العربي قضية الوقت ولا يلقى لها ولا يصرف الكثير من التفكير فيما إذا كان سلوكه أو أقواله مجدية أو لا طائل منها. أليست المؤتمرات الخطابية العربية مضيعة للوقت و للحقيقة ؟ أليست المنابر العربية التلفزيونية السياسية تشتيت لها و هز مصادرها ؟ أليست البيروقراطية العربية بكل ما فيها من تفاصيل ولف ودوران بعثرة للثمين من الوقت والجهد ؟ أليست عاداتنا و اعتباراتنا الاجتماعية البالية مضيعة للوقت ! أليست طريقتنا الملتوية في الحب والحوار والعمل و المواجهة والاتصال بالآخر هي الأخرى مضيعة للوقت ؟ من منا يقود مركبته فينطلق من نقطة البداية ليذهب إلى هدفه في خط لا يعرف المواربة من دون أن يمر بمليون (كوع ) أو ( زاوية ) أو ( نقطة ) أو ( فرد ) !
في النهاية، ما هو الوقت بالنسبة لنا، نحن الذين نئن تحت ثقل المواجهة مع عالم غربي مدجج بنظريات متطورة عن علم تشريح المماطلة و بخرائط تحدد له هدفه من النقطة ألف إلى النقطة ياء في خط سير مستقيم لم تر مثله الهندسة الفراغية!
لقد كنا نظن أن فلسطين هي آخر احتلال في التاريخ في ظل ثورة الشعوب وزيادة وعيها و قبضها على ( الحقيقة ) بيديها . ماذا حصل !! احتلت العراق و الطريق كان مفتوحا على مصراعيه إلى بيروت لولا هذا النصر الذي أتى من عند الله و صمود اللبنانيين وقلب الطاولة على رؤوس مروجي الخرائط الجديدة للمنطقة ورؤوس الكسالى من حكامنا العرب، القابعين في زواياهم أو المحلقين في طائراتهم و كأن كل شيء على ما يرام.
(الحقيقة) إننا سوف نرى مقدمات الصواريخ الإسرائيلية –الأمريكية في كل مكان فيه مقاومة . لقد ضربوا تونس فيما مضى و المفاعل النووي في العراق في الـ 81، و هم متربصون في كل مكان فيه مقاومة لا تريد المزيد من تفعيل مستجد لمعاهدة سايكس بيكو التي قسمت المنطقة في بداية القرن الماضي و التي يراد لها الآن مزيدا من التقسيم .
هذه هي الحقيقة !
فإذا وجدت شعوبنا أن أمريكا و إسرائيل قد أعطتا ما لقيصر لقيصر و ما لله لله و اقفلتا الباب على كل عدوان تجاهنا و توقفتا عن مد مناظيرهما باتجاه غرف نومنا، و تركتانا ندير ثرواتنا بأيدينا، إذن فلننهِ الآن كل مقاومة لأن لا سبب يستدعي وجودها .
الطريف، انه اليوم، في هذه اللحظة التي اكتب فيها هذه الصفحات ، تتنزه الطائرات الإسرائيلية الاستطلاعية في سماء بيروت و ذلك بعد بضعة أيام على ( وقف العدوان ) ..!
مرة أخرى و ليست أخيرة !! حقيقة من هي الحقيقة ؟

تعليق



أشهد أن لا حواء إلا أنت

08-أيار-2021

سحبان السواح

أشهد أن لا حواء إلا أنت، وإنني رسول الحب إليك.. الحمد لك رسولة للحب، وملهمة للعطاء، وأشهد أن لا أمرأة إلا أنت.. وأنك مالكة ليوم العشق، وأنني معك أشهق، وبك أهيم.إهديني...
رئيس التحرير: سحبان السواح
مدير التحرير: أحمد بغدادي
المزيد من هذا الكاتب

الشاعر محمد مظلوم وما لم يدون عن شعراء الثمانينات العراقيين

07-كانون الأول-2007

رسالة طالب لاهوت عراقي إلى حبيبته المسلمة

04-أيلول-2007

نص / ألأني سورية ..!!

13-أيار-2007

قصة / ملاك برتبة رجل امن

01-نيسان-2007

رسالة اعتذار

13-شباط-2007

حديث الذكريات- حمص.

22-أيار-2021

سؤال وجواب

15-أيار-2021

السمكة

08-أيار-2021

انتصار مجتمع الاستهلاك

24-نيسان-2021

عن المرأة ذلك الكائن الجميل

17-نيسان-2021

الأكثر قراءة
Down Arrow