Alef Logo
كشاف الوراقين
              

فراس سليمان في مجموعته " نسيان" مصداقية التجربة وهاجس التجريد

علي حميشة

خاص ألف

2010-02-07



ربّما كان فراس سليمان هو واحد من الشعراء السوريين القلّة , الدين ينتمون إلى تلك المصداقّية في التجربة الشعريّة كركن أساسي لا ينفصل عن حياته بمحاولة ادّعاء أو تعمية من نوع خاصّ .. فليس من الصعب جدّاً أن تنتبه لمحاولة شاعرٍ ما تزيين أو تحريف تجربته بقصيدة لها طروحات مختلفة مهما بلغت حرفنته، لكن فراس لا يفعل ذلك، بل جهده أساساً من النوع الشمولي الذي يؤكّد لنا رؤيته بمفاتيح كبيرة وصغيرة ، فليس همّه إذن من النوع الذي يتمثّل اتجاهاً معيناً في القصيدة ويكرّس نفسه لأجله، بل رؤيته للعالم والأشياء تبدو كنقطة زئبق متحركة، وهاجسه الوحيد ألاّ تنفلت هذه النقطة وأن تبقى محمولة بهذا الاتجاه أو ذاك، بهذا التفضيل أو ذاك، حسب ما يقتضيه سياق النصّ، وأن تبقى إدارتها كاملة من غير أيّ تقصير. إذن المعادلة قائمة أساساً على كيفية إيصال هذه الطاقة، ولطالما هي قائمة على مستوى العمق، وربّما على مسافات مظلمة جداً :

أكثر فشلاً من تأليف سرير/ أو ظلّ يوم متوسط الطول/ وأكثر رخاوةً من سمكة/ في خيال الرسّام / أكثر صمتاً من القشّ / وراء حائط الصلاة/ أكثر تعقيداً من لحظة النسيم / أكثر دقةً من حجّة الحبّ / أكثر شروداً من أتراس البرد تسقط/ على فكرةً مؤجّلة/ الرجل الذي لم يعد يحكي/ الذي نسي يديه/ على كلمة لم يقرأها أحد .

الظاهر الآن من جملة هذه القصائد المفتوحة على قراءة محددّة مُجبرةً القارئ على اتخاذ وضعية فهم مُعيّنة، صوابها أن تضع له جملةً من الإشارات والدلالات الذهنيّة والحسيّة على مائدة واحدة بعقدة متشابكة، وعلى خلفيّة قماش رمادّية لئيمة، كنصّ صيغت ألوانه من تعددّيات في قصيدة النثر الحديثة، نقاط إضاءتها الأساسيّة هي إرجاع القارئ أو إحالته إلى وحدة قياس منضبطة على مفاصل وجوديّة. فالشاعر هنا يقرن دائماً حواسّه بأداة تفكيره ومرجعيته الذهنيّة، وإذا كانت الحالة الحسّية متوقّدة إلى هذا الحدّ، فليس لها أن تنفلت مستقلّة بذاتها، كأن يكون لها ذلك الحيّز الذي يجد شعراء آخرون أنفسهم مجبرون على الاشتغال عليه والتمّسك به طالما منحهم حضوراً مُعيّناً، أو وهماً مدرسياً محدداً. بل لها ارتدادها الدائم إلى جانبها الفكري الذي تمّ انجازه منذ زمن، بأن كان حجر الأساس الذي تؤول إليه كافّة الإحالات .

إن فراس سليمان يقترح قصيدة من نوع آخر ... قصيدة لها ارتباطاتها الشكلانية المتينة بقصيدة النثر السائدة من جهة، ومحاولة افتراقها المعرفي من جهة أخرى:

أجمل ما في القصيدة

الذباب المتيبس على شفتيها/ رائحة الظلال حول سّرتها/ مفاتيح القشّ تتدلى من

يديها الواهنتين/ أجمل ما في القصيدة/ هوّة الخواء/ التي كاد مالدرور/ يملأ نصفها بالدم.

يحشد فراس طاقاته السرديّة عبر أنفاق تجريديّة بحتة، فأن يكون لديك هذه القدرة الموجبة باستنهاض هذا المعنى الثقيل بأسلوبيّة حداثويّة، هذا يعني ببساطة أنه لديك أيضاً تلك الملكة النقديّة الموازية والمتوارية في النصّ، والتي تعمل ضمن شرطها الخاصّ بها. وهنا نجد دائماً عند فراس سليمان ذلك الانتباه المّحدّد الاتجاه لتجارب الآخرين والتي تنطوي تحت سياقات مختلفة ... وهذا بدوره يضفي على قصيدته سماتها الأسلوبية الخاصّة ... والهدف الأساسي في ذلك هو قول المعنى المراد إنجازه بكافّة طرق الانتماء، والتي لم تستنفذ طاقاتها بعد في قصيدة النثر الحديثة :


بمنتهى الفرح/ يتأمّل الرجل الضائع نفسه/ كونه لا أحد/ يمشي بدعةٍ في حرش الوقت/

لم يكن في الحسبان/ أن تهرّ ثمار غيومه/ بهذه السرعة/ أن يعرى... أن ينكشف روحاً/ تتخبّط في وحلها قارّة مقلوبةًّ/ لا/ الرجل الضائع المجنون/ في حرش الإسمنت/

يبدو هادئاً الآن/ وهو يربط حصانه بقوس قزح/ على مدخل السوبر ماركت.


لا يأخذ فراس من اللغة ما يُعكّر صفوها بأن يحيلها إلى منحدرات إشكاليّة، بل يتعالى بوضوحها إلى أقصى حدّ، فالسرد هنا ناتج خبرات شعريّة تجاوزت هاجس اللغة ذاتها كما في مجموعته : "على الحافة وفي الخطوة المقلوبة ". المفردة هنا دائماً ضمن سياقها المعتاد تريد أن تقول شيئاً بأوضح الطرق دون لعب أو مكابده.. وهي لديها كلّ الحقّ في أن تكون نصّاً فيه الكثير من الدلالات المتحركة بحسب خطّ الاتجاه، لكن بالتأكيد هو هنا هذا الوضوح الصّعب، فلا استسهال أبداً في صياغة المعنى، ولا إسهاب أبداً في إسقاطه عن نفسه، ومحاولة بنائه من جديد. فمن قصيدة بعنوان " الله " يقول الشاعر :

أنا الذي ضيّعوه عندما وجدوه حان لي أن أتكئ إلى نفسي وأبكي

لا أحد يساعدني لأكشّ هذا البرغش الكونّي الذي يحطّ على أحلامي

سبحاني كيف رضيت بالخديعة حتى تقطّن قلبي

كيف رضيت بالألم وأنا أعرف أنه سيصبح جسداً

سبحاني كيف وهبتهم متاهتي سؤالاً

ليحلقوني من طين وخوف

أنا الله حان لي أن أحيل ملائكتي وجندي للتقاعد

أن أحوّل الجنّة والنار إلى أرجوحة

حان لي أن أترك هذا العرش للفراغ

أو على الأقل لرطوبة ندمي

ما يلفت الانتباه في هذه القصائد على الرغم من محاولتها الدؤوبة لاكتساب بنية تجريديّة خالصة، ذلك الانزياح الخاص بما يخصّ علاقته بالأنثى.. حيث تنفلت مفرداته الشعرية من سياقها المعتاد، وتشفّ لغته ومعانيه إلى أقصى حدّ، ويكون للشاعر أن يسرد من موقع آخر, موقع حضور المعنى محمولاً عبر وقائع ملموسة ... جسد وأمكنة، ذكريات وتفاصيل... الخ.

لكن أيضاً هي هنا تلك الإحالة الخاصّة إلى ذائقة القارئ كمعادلة تنطوي على شيئين : أن تلمس هذا الحضور المكثّف للحواسّ في علاقتها المحمومة مع الجسد ـ المكان ـ الزمان من جهة، ومن جهة أخرى إلى معنى ذهني آخر لا يحمل مفردات توصيفه المباشرة، بل يتمرأى غامضاً وضبابيّاً في الحقل الخلفي للّغة :

في المكان/ الذي يجد ربه أن يكون أميناً/ بينما كنت/ تشعلين بخوراً/ وتبتهلين لإله غريب/ أن نظلّ معاً/ كنت أتامّل روحاً يتوجّع في الأيقونة.

أو: ملاكاً شرساً كنتِ/ في الغرفة الرطبة/ أنا../ مع كثير من المتاهات والمفاتيح/

لأخرج من رائحتكِ/ مع كثير/ من القهوة والسجائر/لأجرّب وصفكِ.

أو : رائحة عادتكِ الشهريّة/ رائحة صالة سينما مهجورة/ رائحتكِ جسدٌ آخر

.....

شهوتكِ وهي تزأر/ كمكنسة كهربائيّة/ كهنوتٌ ينضج/ أحبّك لمّا تتكررين .


لا أدري حقّاً إلى أيّ مدى يمكن اكتناه ما تقوله هذه القصائد بحيثياتها الخاصّة، والتي تتمرأى وفق ما يقتضيه وعي التجربة، بمحاولتها الجادّة في استخدام كافّة الأساليب السرديّة المتاحة لتبيان المساحة التعبيريّة، بكل اختلاجاتها وذبذباتها الصائتة أحياناً بأصداء جملة شعريّة طويلة ومفتوحة، والمتوهجّة أحياناً بمقطع " ومضه " قصير، الملتفّة حول ذاتها حيناً بعقد شفويّة قصيرة ومقتضبة، وتلك المحاولة المستميتة للخروج من ضيق اللغة أو رتابتها، كونها في النتيجة ملقاة إلى قطبها الآخر ... كمحاولة مستمرّة لإبقاء هذا الخيط مشدوداً بين الأنا التي تتكّون دائماً بكل معطياتها الإبداعيّة ـ السيكولوجيّة ـ والفكرية ـ وبين الآخر الذي يتلقّى وفق ما تقتضيه الفاعلية أيضاً .


××××


خاص ألف







































تعليق



أشهد أن لا حواء إلا أنت

08-أيار-2021

سحبان السواح

أشهد أن لا حواء إلا أنت، وإنني رسول الحب إليك.. الحمد لك رسولة للحب، وملهمة للعطاء، وأشهد أن لا أمرأة إلا أنت.. وأنك مالكة ليوم العشق، وأنني معك أشهق، وبك أهيم.إهديني...
رئيس التحرير: سحبان السواح
مدير التحرير: أحمد بغدادي
المزيد من هذا الكاتب

فراس سليمان في مجموعته " نسيان"مصداقية التجربة وهاجس التجريد

14-شباط-2010

فراس سليمان في مجموعته " نسيان" مصداقية التجربة وهاجس التجريد

07-شباط-2010

كعمود ناتئ خشبي

22-كانون الثاني-2010

ملحق نص " منذر مصري وشركاه أم حظيرة شعراء برية ".

17-كانون الثاني-2010

منذر مصري وشركاه أم حظيرة شعراء بريّة!؟

11-كانون الثاني-2010

حديث الذكريات- حمص.

22-أيار-2021

سؤال وجواب

15-أيار-2021

السمكة

08-أيار-2021

انتصار مجتمع الاستهلاك

24-نيسان-2021

عن المرأة ذلك الكائن الجميل

17-نيسان-2021

الأكثر قراءة
Down Arrow