Alef Logo
يوميات
              

شذرات؛ زمن الشبيحة وزمن شبيه

دلور ميقري

خاص ألف

2012-01-04

شيرين:


هيَ طفلة من حمص الثورة؛ من تلبيسة، البطلة، العصيّة على القتلة.
طفلة تنتمي لجنس الملائكة، ليسَ لعمرها الغض حسب، بل أيضاً لنصاعة الثلج، ونقائه، في بشرتها ذات التقاسيم الدقيقة، المتناسقة. لا أدري، كيف أمكن السماحُ لهذه البراءة، ذات الثماني سنوات، بالخروج وحيدة ً من منزل أسرتها، سعياً وراء ربطة خبز، حاف؛ ثمة، أين كان يكمن ملاك آخرٌ، جحيميّ، بصفة قناص، يترصّد لمن يمرّ في الشارع..؟
ربما هوَ حصار الجوع، المفروض على البلدة انتقاماً من أهلها الثائرين؛ أو أنه الاستهتار بالمخاطر، طالما أنّ شبحَ الموت، في زمن الشبيحة هذا، قد أضحى كما لو أنه قدَرٌ حتمٌ، لا مفرّ منه.
شيرين، هوَ كذلك اسمُ شقيقتي، التي لم أحظ برؤيتها أبداً؛ بما أن ولادتي، العتيدة، أجيز لها حظ الحدوث بُعيدَ أشهر قليلة من وفاتها. أربع فتيات من عائلتنا، من ضمنهن ابنتا شقيقتين لي، تمّ تعميدهنّ باسم فقيدتنا تلك؛ التي ما كانت قد بلغت بعدُ سنّ الرابعة، حينما دهمتها الحمّى المُريعة، المُهلكة.
من جهتي، شئتُ أن أضافر خلودَ أختي الراحلة، بطريقة أدبية: إذ استحضرَتها سيرتي الذاتية، " زهرُ الصبّار "، بحقيقة مُعتبرَة؛ وهيَ أن موتها الفاجع، المفاجيء، كان مبرراً لوالدتنا كي تموّه طفولتي بملبس البنات، فضلاً عن جديلة شعري، المسترسلة على سجيّتها.
شيرين، شقيقتي، لم يمتدّ بها العمر لكي تحيا في زمن الشبيحة؛ هؤلاء، من لم يتورعوا عن قتل سميّتها، الحمصية، كما و ندّات لها، تتوزعُ أضرحتهنّ على مساحة خريطة هذا الوطن.
سارة:


هيَ جدّتي لأبي؛ رَحلت عن دنيانا قبل مولد حفيدتها تلك، شيرين، بنحو ثلاث سنين.
في السيرة الذاتية نفسها، المَوْسومة، تتبدّى هذه المرأة بشخصيتها الريفية، القوية الشكيمة، بما أنها تتحدّر أصلاً من الزبداني؛ المدينة الساحرة، المُترامية باسترخاء في سفح أحد الجبال الحالقة، الفاصلة بين سورية ولبنان. ثمة، أين وادي بردى، الشاهد الأزليّ على مرور الجدول الخالد، الذي وَسَمَهُ الإغريق بـ " نهر الذهب "، بالنظر لعذوبة مياهه وصفائها.
في زمن السيرة تلك، ما كانت الزبداني سوى بلدة صغيرة قليلة النفوس: أتذكرُ بيوتها المتباعدة، المفصولة عن بعضها البعض بالبساتين المزدهرة، المونقة بشتى أنواع الشجر المثمر؛ وخاصّة التفاح، المُعرّف في الشام منذ القِدَم باسم هذه البلدة. أسرة جدّتي، العربية، من آل " غانم "، كانت آنئذٍ تحظى بمنزل من دورَيْن، ريفيّ السمة، على جانب من الاعتبار والأبهة. ولا يمكن لي أن أسلوَ دقران الكرمة، الكريمة، المُحمّلة ثمة بوفرة من زمعات العنب الزيني، المتثنية بدلال ورخاء نحوَ الأسفل؛ حيث أيادينا الطفلة، المُداعبة بحنوّ و نهَم.
وكما سبق وأكدّتُ آنفاً، فإن الزبداني صارت الآن في منقلبٍ مدينيّ، مَشهود. وقد تحققتُ من ذلك، اتفاقا، حينما مرّرتُ سهمَ كمبيوتري على مظاهرات بلدة جدّتي، الأولى. وبالرغم من أسى المناسبة، بيْدَ أنني افتخرُ لكون عددٍ من شهداء الثورة هناك يَمتون بالقرابة لأخوال أبي. ثمة، أين يعيش أيضاً أسر من كرد الشام الأصليين، جنباً لجنب مع إخوانهم المهاجرين من الأقاليم الكردية الشمالية ـ كالجزيرة و كرداغ: هؤلاء الأخيرين، أبدوا مؤخراً قلقا بيّنا، مُحقا، بعدما تلقى الكثير منهم تهديدات من لدن بعض من يُحسبون على الحراك الثوري، كما ومُهل بمغادرة الزبداني بغير إبطاء. مُبرر ذلك، هوَ مزاعم اتصال أولئك الكرد، المهاجرين، بالجهات الأمنية؛ بصفة مُخبرين، أو " عواينية " بالمَحكية الشامية.
وبما أنني نوهتُ إلى أمر محاذاة الزبداني للحدود اللبنانية، فاستطردُ بالإحالة للمفارقة المتمثلة بكون كرد تلك الأقاليم، المقيمين في بيروت، قد تلقوا تهديدات ومهل، مماثلة، ولكن لسبب معاكس؛ وهوَ تأييدهم لثورة شعبهم السوري، عبرَ اشتراكهم النشط في الاعتصامات والتظاهرات قدّام السفارة السورية.
روشين:


أدبياً، حينما اخترتُ أن تكون إحدى بطلات روايتي من الزبداني ذاتها، فلم يكُ ذلك بعيداً عن استحضاري لصورة جدّتي لأبي.
إلا أن " روشين " تلك، بطلة الرواية، جعلتها تنتمي لأسرة من أصول جزراوية، بدوية ( أي: كوتشر، باللغة الكردية )؛ مُضفياً على ملامحها صورة الجدّة العربية؛ بحُسنها المُتوّج بشعر أحمر، متوهّج، والمنهمر على عينين سماويتين، رائقتين.
وكما كنتُ قد ألمعت في مقال آخر، أجدُ روايتي المَعنية، " الأولى والآخرة "، كأنما هيَ نبوءة للربيع السوريّ، الثوريّ؛ طالما أنني أجزتُ لنفسي اختيارَ شهر آذار / مارس، كموعدٍ لتفجّر أحداث العامّية الشاميّة لعام 1830؛ فيما أن ذلك جرى، واقعياً، خلال شهر أيلول / سبتمبر من العام عينه. وفي سياق النبوءة ـ المصادفة، فإن الرواية تجعل المسجدَ الأمويّ كرمز للعامّية الشعبية؛ بما أن الحبكة تعتمدُ على كون المسجد نفسه بؤرة للحدَث، المُتجلي في رغبة حاكم الشام، العثماني، تدميره بالمدفعية ومَحي أثره تماماً، سعياً لإفقاد الشام أهمّ رمز دينيّ وحضاريّ لها: إنه المسجد الأموي، الدمشقيّ، الذي انطلقت منه شرارة الثورة الحالية، في 15 آذار من العام المنصرم.
" شيخ الشام "، صنيعة الطاغية الإنكشاريّ ولسان حال الجماعة الوهّابية، كادَ أن يرمي " روشين " إلى الهلاك المُحتم، حينما تصادفَ مروره بحجرتها في إحدى جولاته التفقدية لمدرسة الحديث؛ التي كانت تعمل فيها كمدرّسة: هل كنتُ لحظة كتابة الرواية، أتمثلُ سحنة " الشيخ البوطي "، رَجُل النظام الأسدي وصاحب الميول الوهّابية القديمة، المعروفة؛ لأجعلها تتقمّص شخصية شيخ الشام تلك، المُختلقة..؟






تعليق



أشهد أن لا حواء إلا أنت

08-أيار-2021

سحبان السواح

أشهد أن لا حواء إلا أنت، وإنني رسول الحب إليك.. الحمد لك رسولة للحب، وملهمة للعطاء، وأشهد أن لا أمرأة إلا أنت.. وأنك مالكة ليوم العشق، وأنني معك أشهق، وبك أهيم.إهديني...
رئيس التحرير: سحبان السواح
مدير التحرير: أحمد بغدادي
المزيد من هذا الكاتب

حكاية من كليلة ودمنة 8

04-آب-2013

حكاية من " كليلة ودمنة " 7

27-تموز-2013

حكاية من " كليلة ودمنة " 6

18-تموز-2013

حكاية من " كليلة ودمنة " 5

11-تموز-2013

حكاية من " كليلة ودمنة " 4

06-تموز-2013

حديث الذكريات- حمص.

22-أيار-2021

سؤال وجواب

15-أيار-2021

السمكة

08-أيار-2021

انتصار مجتمع الاستهلاك

24-نيسان-2021

عن المرأة ذلك الكائن الجميل

17-نيسان-2021

الأكثر قراءة
Down Arrow