Alef Logo
دراسات
              

علل الصدام الواهية

أبو يعرب المرزوقي

2008-02-27

لما وصفت المعركة بين الأصوليتين العلمانية والدينية بكونها معركة دنكيخوتية ظن الكثير أني أهون من الأمر . ولعل البعض يتصور في هذا الحكم تنصلا من المسؤولية وسعيا إلى التوسط بين الحزبين. لكني أعتقد أن الخلاف بين الحزبين حتى لو لم تكن وهمية لا يستأهل حربا أهلية بين نخب الأمة. والمشكل ليس هو في وجود الخلافات بل في طغيان الوهمي منها، حتى صارت أفخاخا يتبادل نصبها من يزعمون أنفسهم ناطقين باسم العقل لمن يزعمون أنفسهم ناطقين باسم الدين ثم العكس بالعكس. لذلك فإني أريد بمثال بسيط أن أبين أن الشروع الجدي في الحوار بين النخبتين ممكن إذا صدقت النوايا من كلا الحزبين واعتمد الجميع سلطة الحجة بدل حجة السلطة فكان المطلوب عند كلا الحزبين الوصول إلى حلول أقرب ما تكون إلى الإنصاف والاعتراف المتبادل.
وإليكم المثال على وهاء الصراع بين من يقابل بين العقل والنقل مقابلة ظلت تنخر فكرنا من أكثر من ألف سنة وهي في الحقيقة بنت سوء الفهم المتبادل بين الحزبين أو العناد الناتج عن التعصب للرأي دون روية تسعى إلى الاعتراف المتبادل باختلاف المناظير. فقد عرف الأستاذ ناصر حامد أبو زيد طبيعة التقابل بين الاعتزال والأشعرية بكلام يمكن أن نعتبره تلخيصا دقيقا لسوء التفاهم بين الحزبين ولمفهوم الفخ الذي يوقعان فيه فكرنا بعد أن غرقنا فيه غافلين. فهو يقول:" الفارق الأساسي بينهما (بين المعتزلة والأشعرية) يكمن في دور العقل وهل هو سابق على الشرع أم تابع له. ولقد ذهب الأشاعرة إلى أسبقية الشرع على العقل كما رأينا عند الباقلاني وذلك على عكس المعتزلة الذين أعطوا للعقل دورا أوليا وسابقا على الشرع وجعلوا الدليل السمعي سابقا للدليل العقلي ومترتبا عليه" ( الاتجاه العقلي في التفسير ص.59).
تلك هي القصة التي يجمع عليها كلا الحزبين ويتداولانها جاعلين منها مصدر خلافهما الواهي. وليس الأستاذ أبو زيد مصدر هذا الفخ بل هو من الواقعين فيه والمروجين له فخ الكلام العام الذي يظنه أصحابه علما وهو عين المغالطة سواء كانت مقصودة أو غير مقصودة. فهذا الكلام يتبين عند التمحيص الدقيق كلاما لا يعرِّف شيئا ولا يفيد القارئ بما ينير فكره وعقله بل هو ينصب له فخا يقع فيه كل من يقبل بمثل هذه المقابلات التي تشبه "ويل للمصلين".
فلا أحد ممن يعرف تاريخ النظريات الكلامية معرفة دقيقة يقبل بمثل هذه المقابلة الفجة إلا إذا اعتبر علما صيغ التعليم الأولية في المداخل التي تقدم للطلبة بهدف وضع علامات شكلية للتمييز بين الفرق. إنما هو كلام من مبتذلات المداخل المدرسية ولا علاقة له بفكر الفرقتين الكلاميتين اللتين يدعي الحزبان اليوم الكلام باسمهما فيعودان إلى معارك دنكيخوتية ببين الناطقين باسم العقل والناطقين باسم النقل.
والمشكل في مثل هذه التعريفات أنها تبدو صحيحة لأن قائل "ويل للمصلين" ليس مخطئا بقولها وإنما هو مخطئ بالوقوف عندها. وكذلك الشأن في عبارة الأستاذ أبي زيد التي يظنها تعريفا للفرق الأساسي بين الفرقتين واصفا إحداهما بالعقلية والثانية بالنقلية. فهو لم يقل فيمَ ولِمَ يميل الأشعري لتقديم النقل على العقل ولا في أي مجال ونفس الأمر بالنسبة إلى العكس المعتزلي. وذلك هو المقصود بالفخ: لم نر أن المسألة تتعلق بجوهر الإشكال في نظرية المعرفة ونظرية القيمة اللتين تداول فيهما الموقفان عند جميع الأمم وليس هو خاصا بعلم الكلام الإسلامي.
وحتى يرى القارئ مناط الإشكال الكلي فلا يتصوره مقصورا على مقابلة سطحية بين فرقتين كلاميتين فلنفرض أننا لا نتكلم على الفكر الكلامي بل على الفكر العلمي الحقيقي وموقف العلماء من نظرية المعرفة مثلا. فلو قال قائل إن بعض العلماء يقدمون نتيجة التجربة على الفرض العقلي عند التعارض وبعضهم الآخر يواصل تقديم الفرض العقلي حتى لو كذبته التجربة العلمية فماذا سيقول القارئ؟ هل سيعتبر الفريق الأول غير عقلاني والثاني عقلانيا أم العكس تماما ؟
ولنعد الآن إلى المقابلة بين المدرستين الكلاميتين لمحاولة بيان طبيعة الخلاف كما تتعين في إشكاليتي نظرية المعرفة والقيمة وليس كما ترد في الفخ المعمى. فالخلاف بينهما حول دور العقل ليس خلافا غير معين بل هو خلاف حول التعارض في ما يتعلق بمجالين أحدهما معرفي (ابستمولوجي: العلاقة بين التجربة والفرض) والثاني قيمي (أكسيولوجي: العلاقة بين حكم القيمة وحكم الواقع) وهو الأشهر في الخلاف بين الفرقتين وكلاهما مضاعف مع الاقتصار على مجال الخلاف أعني العلوم الملية وليس العلوم الطبيعية رغم أن الأمر يمكن أن يشمل النوعين من العلوم.
ولنبدأ بالمجال المعرفي بفرعيه: وتسمى مسألة الفرض والتجربة.
1-إذا تعارض الفرض العقلي والخبر النقلي في الكلام على أحداث التاريخ فأيهما ينبغي أن نصدق الفرض العقلي حول ما حدث في الماضي أم الخبر المحقق حوله ؟
2-إذا تعارض الفرض العقلي والخبر النقلي في الكلام على ما وراء أحداث التاريخ فأيهما ينبغي أن نصدق الفرض العقلي حول ما وراء التاريخ أم الخبر النبوي؟
ولنثن بالمجال القيمي بفرعيه: وتسمى مسألة التحسين والتقبيح
1-إذا كان على القاضي أن يقضي في نازلة فأيهما يقدم رأيه الشخصي أم نص القانون في وصف الوقائع وتحديد الحكم ؟ وإذا أراد الإنسان أن يفهم تقويم الأمم للأفعال فأيهما يقدم رأيه الشخصي أم معرفة تقاليد تلك الأمم في التقويم وسلاليم قيمها ؟
2-وإذا أراد المرء أن يضع قيما متعالية على نصوص القانون والتقويم المختلفة بين الثقافات والأمم فهل يكفيه رأيه الشخصي أم لا بد له من إيمان ما بأنه توجد قيم متعالية فتكون القيم المتعالية على التغير والاختلاف إما إيمانية أو غير موجودة وعلينا أن نرضى بالنسبية القيمية؟
لا يحتاج القارئ جوابا يقدمه له أحد فهو يستطيع بجهد بسيط لفحص هذه الأسئلة حتى يعلم كيف انقلبت الأمور بسبب الوقوف عند وصل للمصلين حتى صار: 1- مجرد الفرض والرأي عقلا 2-ومجرد التحكم الفرضي عقلانية 3-ورفض حكم التجربة العلمية موقفا علميا 4-وعدم فهم ما تقتضيه طبائع الموضوعات تفلسفا 5-وعدم التمييز بين نسبية المعرفة العلمية والإطلاق الإيديولوجي مصدرا للصراعات الزائفة بين مبتدئين صاروا نجوما لأن غباء المؤسسة جعلهم ضحايا في حين أنهم يتفحمون الفكر الفلسفي والفكر الديني وهم لا يفقهون ما يقولون في أي منهما فيدخلون الأمة في معارك جانبية تلهيها عما ينبغي لها أن تفرغ له من المعارك الحقيقية التي تستهدف وجودها المادي وحصانتها الروحية.
فمن الغرائب أن يكون جل المفكرين الساعين إلى إصلاح الأديان والأحوال يدعون الإحاطة بكل العلوم الإنسانية والفلسفة وهم في الأغلب لم يشموا رائحة هذه العلوم فضلا عن الفلسفة حتى إنهم لا يميزون بين وظيفة العلم المساعد والعلم الغاية فيعتبرون قراءة المداخل من العلوم المساعدة في علاج قضايا اختصاصهم كافيا ليصبحوا مختصين فيها. فالذي يبحث مسألة كلامية لفهم قضية بلاغية مثلا يصبح بين يوم وليلة فيلسوفا في علم الكلام فيتصدى لمناطحة الرازي والطوسي والغزالي والأشعري والجبائيين وعبد الجبار بل ويسخر من فكرهم وغفتلهم.
وأذكر أني سمعت بعض "المتعلِّطين" (كلمة تونسية تعني المبتدئين الذين يجهلون حدود علمهم) يهزأون من القاضي عبد الجبار في مسألة الإعجاز بعلم لو عرضوه أمام القاضي لطردهم من حلقته رغم كونهم مزعومين من المختصين فيه. تلك هي النجوم التي تريد أن تطوي صفحة الحضارة العربية الإسلامية زاعمة الإصلاح وهي لو نجحت في ذلك لأفسدتها بممضوغات من الفكر الغربي هي بسنوات ضوئية دون بداياته فضلا عن غاياته. وإلى يومنا هذا لا زلت أبحث عن متكلم واحد من حجم العزالي تمكنا من العلم الأداتي والغائي في عصره فضلا عنه في عصرنا: فكيف بنخب هي دون أعلام عاشت قبلها بعشرة قرون في ما تدعي التمكن منه يمكن لها أن تدعي الريادة في العالم المعاصر ؟ لم أر أحدا في الغرب يتجرأ على أرسطو بعلم دون علمه حتى لا أتكلم على الفلسفة.
فلا شك أن علم عصرنا متقدم على علم عصرهم لكن ذلك لا يعني أن ذلك كاف لمجادلتهم من دون العلم بعلمهم من منظور التمكن من علم عصرنا الذي قد يساعد على تجاوزه: وذكر أسماء العلوم ليس كافيا لا بد من مسمياتها في العلاج الفعلي. فكل المتكلمين في النقد التاريخي للنصوص -وليكن مثالنا نص القرآن الكريم- لم يقدموا معلومة واحدة تجاوزت ما استخلصه نولدكه وتلامذته من الكتابات العربية القديمة مع شيء من التنظيم الخاضع للمنهجية الحديثة في ترتيب المعلومات لا غير. وهو ما يعني أن العرب لم ينتظروا العلم الحديث ليعالجوا تاريخ نصهم حتى وإن كان العلاج يشكون من عدم النسقية التي تحقق النقلة الكيفية بمراكمة النتائج الكمية أعني ما حققه نولدكه وتلامذته الذين واصلوا علمه.
وبدلا من تثمين هذه الآثار التي استفاد منها الفكر الحديث للتاريخ إلى الآداب العربية كلها بما فيها النصوص المقدسة (قرآنا وسنة) ترى حداثيينا يكتفون بالاستحواذ على النتائج دون الجهد الضروري لتحصيلها ثم يشرعون في بناء قصور وهمية في رمال الريادة الفكرية من دون جهد في البحث والعلم حتى إنك تجد الواحد في سن مبكرة بعد سنتين أو ثلاث من البحث في نصوص لا تكاد تتجاوز أصابع اليد الواحدة يزعم التفلسف في أساليب القرآن وطرق الحجاج إلخ... من العناوين الرنانة التي لا تتجاوز مضع الشعارات لكأن الحضارة العربية بدأت مع وريقات رسالته الجامعية.
ولله في خلقه شؤون.

تعليق



أشهد أن لا حواء إلا أنت

08-أيار-2021

سحبان السواح

أشهد أن لا حواء إلا أنت، وإنني رسول الحب إليك.. الحمد لك رسولة للحب، وملهمة للعطاء، وأشهد أن لا أمرأة إلا أنت.. وأنك مالكة ليوم العشق، وأنني معك أشهق، وبك أهيم.إهديني...
رئيس التحرير: سحبان السواح
مدير التحرير: أحمد بغدادي
المزيد من هذا الكاتب

هل الرد على طرابيشي يحل المشكل؟

02-آب-2008

تقارير التنمية العربية ما دلالتها ؟

01-تموز-2008

معركة الحجاب ما دلالتها ؟

19-نيسان-2008

نعم: الحق أحق أن يتبع (بين الأستاذين الطالبي والشرفي)

07-نيسان-2008

نحن وفن الكاريكاتور ؟

01-نيسان-2008

حديث الذكريات- حمص.

22-أيار-2021

سؤال وجواب

15-أيار-2021

السمكة

08-أيار-2021

انتصار مجتمع الاستهلاك

24-نيسان-2021

عن المرأة ذلك الكائن الجميل

17-نيسان-2021

الأكثر قراءة
Down Arrow