Alef Logo
مقالات ألف
              

هل أصبح الكذب ملح الحياة؟

حربي محسن عبدالله

خاص ألف

2013-10-15

عندما تفتح عينيك في الصباح للتأكد من أن الفجر الصادق قد أطل بطلعته البهية, منذ بعض الوقت وأزاح الفجر الكاذب, تتمنى أن ينتصر الصدق بقية يومك, وتتمنى كذلك وعلى الرغم من مقولة "الكذب ملح الرجال", بأن لا يحاصرك الملح فيرتفع لديك ضغط الدم. لكن ما أن "يأتيك بالأخبار من لم تزودِ", أي ما أن تسمع وتشاهد الصوت والصورة القادمة عبر الأثير ومن خلال شاشة التلفاز ثم ما يجترّه الناس ويستعيدوه من ذلك الصوت وتلك الصورة, حتى يهطل عليك شلال ملح الأكاذيب هادراً وينتقل اليك من أفواه مذيعين ومقدمين وضيوف ومجتريّن لبرامج سياسية ودينية واجتماعية وفنية وثقافية وبانورامية. فكذب السياسيين من أبجديات الفن السياسي, وكذب المثقفين من أولويات "البرستيج" ومطالب الشهرة وضرورات المواقع والمناصب سعياً للجوائز والمغانم والرفعة "ولو على الخازوق". أما كذب دعاة الإصلاح الاجتماعي فهو مقولة "العائلة الشرقية المتراصة والنسيج الاجتماعي المتماسك", فهي من يمهّد الطريق أمام اللف والدوران حول المعضلات الاجتماعية والمشاكل الأسرية, انطلاقاً من تلك الأكذوبة, دون الوصول إلى العلة الحقيقية في التركيبة الفكرية التي زُرعتْ في أدمغة الأطفال على يد أسلافهم من المهووسين بالأوهام والتوفيق والتلفيق واللعب على حبال التبريرات. فالعائلة الشرقية الرصينة ما أن تخرج من الكذبة و تصل إلى البلدان الاسكندنافية طالبة للجوء الإنساني – على سبيل المثال - وترى بأم عينها كيف تأخذ المرأة حقوقها كاملة حتى يصبح التراصّ انحلال وذوبان وتفتتْ. وتصبح نسبة الطلاق لدى الشرقيين والمسلمين والعرب على وجه الخصوص من أعلى النسب في العالم.

في عالم السياسية تجد الأنظمة والمعارضة تتبادل الكذب بنشر الأكاذيب في محاولة لينال كل طرف من الطرف الآخر, عبر تشويه للحقائق وقلب للأمور, فليس ثمة رادع من أي نوع في هذا العالم. ومنذ أن صرّح ميكافيللي بمبدأ "الغاية تبرر الوسيلة" حتى يومنا هذا, وكل المتعاطين بالشأن السياسي يعتبرونه مبدأ أول وقاعدة لازبة لا مندوحة عنها. فإذا كانت الغاية "المصلحة" لطرف ما تقتضي فضح جريمة أرتكبها أحد الأطراف, تتحول الأطراف الأخرى إلى مدافعة عن حقوق الحيوان قبل الإنسان والحجر قبل البشر. وإن اقتضت الضرورة "المصلحة أيضاً" طمس جريمة أخرى لحسابات معينة, تمرّ الجريمة كومضة لا يستطيع أحد أن يوقف الزمن ليتأملها. وهكذا تتلاحق الجرائم في شريط الأخبار العاجلة وتمضي مسرعةً لتقع في بئر النسيان. ومن الجدير بالذكر هنا أن القوى الكبرى في العالم تمارس لعبة عالم السياسة بِكَمْ من الأكاذيب يتناسب مع حجم قوتها وجبروتها, وتعقيد وتشابك مصالحها, ومدى إمكانات آلتها الإعلامية وأذرعها الأخطبوطية التي قد تساهم وتمهّد لتحويل دول إلى ركام من الخرائب والأطلال. في عالم السياسة يكذب السياسي الذي لايزال يتحدث عن الأمة الواحدة والتاريخ المشترك وهو يرى بأم عينه التشرذم والانقسام الطائفي والمناطقي والعصبوي. ويكذب رجل الدين عندما يدخل إلى عالم السياسة من باب "الاسلام هو الحل" ويدعو إلى الشريعة السمحاء التي أرسلها الله رحمة للعالمين!! وهو لا يطيق من يخالفه الرأي في مسألة فقهية تخص المضمضة والاستنشاق في الوضوء أو عدد "أحجار الاستنجاء" وهل هي ثلاثة أم تسعة!!. يتحدّث عن دولة الحق والعدل ويضع نفسه في موقع واهب الحياة "جلّ ذكره", فيقرر لوحده حياة من يشاء ويعلن الموت على من يشاء. يشهر سيفه وحزامه الناسف ومفخخاته بوجه البريء ليعجّل به إلى الجنة, ويأخذ معه المذنب ليعجّل به إلى النار, وهو صادق مع كذبه, مرتاح الضمير, هادي البال, يزف إلى جنة الخلد على وقع أناشيد حماسية تمجّد الشهادة والتضحية.

كذلك فإن للمثقفين والفنانين وكل من يرسل التحيات ل"جماهيره" نمط فريد من الكذب. وهو ما يستحق تسمية "الكذب على الذقون", بدءاً من ممارسة "يتمسكن حتى يتمكن" التي يمكن أن نجعلها "يتملٌق حتى يتسلّق" وانتهاءاً بتبني وجهة النظر الغالبة, وأقول الغالبة وليس السائدة لأن المثقفين والفنانين يحملون بذرة التميّز والفردانية حتى وإن كتبوا وغنّوا ورسموا ومثّلوا تمجيداً للقطيع ولراعي القطيع وحادي الضعن طوال عمرهم. استذكر هنا كلمة للمغفور له بإذن الله "فلاديمر إليتش لينين" في مؤتمر المعلمين الأول عندما خاطبهم قائلاً" نحن لا نشك برخاوتكم لكننا بحاجة إليكم". والرخاوة هنا المقصود بها القدرة على التبرير, والتبرير هو الكذب بعينه. فهل أصبح الكذب ملح الحياة؟


تعليق



ugg grise short

2013-10-25

Intriguing put up and thanks for sharing. Some issues in right here I have not believed about just before. Many thanks for creating this sort of a cool submit which is truly very properly written. will be referring a whole lot of pals about this.ugg grise short http://ugg-grise-basse.northcoastparks.com

أشهد أن لا حواء إلا أنت

08-أيار-2021

سحبان السواح

أشهد أن لا حواء إلا أنت، وإنني رسول الحب إليك.. الحمد لك رسولة للحب، وملهمة للعطاء، وأشهد أن لا أمرأة إلا أنت.. وأنك مالكة ليوم العشق، وأنني معك أشهق، وبك أهيم.إهديني...
رئيس التحرير: سحبان السواح
مدير التحرير: أحمد بغدادي
المزيد من هذا الكاتب

منْ يُخرج الناس من دين الله أفواجاً؟ بقلم:

21-تشرين الثاني-2013

الحقائق ثوابت أم متغيرات؟

16-تشرين الثاني-2013

عندما يتحول اللونُ إلى إله "كهوف هايدراهوداهوس"

05-تشرين الثاني-2013

أخطاء إملائية

26-تشرين الأول-2013

هل أصبح الكذب ملح الحياة؟

15-تشرين الأول-2013

حديث الذكريات- حمص.

22-أيار-2021

سؤال وجواب

15-أيار-2021

السمكة

08-أيار-2021

انتصار مجتمع الاستهلاك

24-نيسان-2021

عن المرأة ذلك الكائن الجميل

17-نيسان-2021

الأكثر قراءة
Down Arrow