Alef Logo
ضفـاف
              

الشعر النسائي الحديث في سوريا

خضـر الآغـا

2009-05-17


منذ أن حطمت نازك الملائكةـ الأنثى عمود الذكورة الشعرية العربية- عبر قصيدة "الكوليرا" 1947- الذي بقي الشعراء العرب قروناً طويلة يتباهون بقوته وعظمته، ازداد عدد الشاعرات العربيات اللواتي كن محرومات من دخول بستان الله: الشعر، إلا بشرط الامتثال للشرط الذكوري بأن يتحولن إلى شاعرات يكتبن بلغة الرجال ويكررن قولهم، وهن يتذكرن جيداً ما قاله الفرزدق في امرأة قالت شعراً: "إذا صاحت الدجاجة صياح الديك فاذبحوها"، وبهذا يكون، منسجماً مع/ ومعمقاً الشرط الذكوري العربي، قد أقصى النساء جميعهن عن قول الشعر وكتابته تحت طائلة القتل (اذبحوها).
ما فعلته الملائكة كان إيذاناً ببدء الشعر العربي الحديث الذي عرف فيما بعد بـ: "شعر الستينيات" أو "شعر الحداثة"، وقد أتاح للمرأة الشاعرة الدخول الوثوق إلى هذا الحقل بعد أن كان غير مسموح لها أكثر من المرور حول سياجه، وبشرط قاس أيضاً: أن تكتب ممتثلة لشرط الفحولة الشعرية حتى لو كان ذلك باسم مستعار، كما كان يحدث أحياناً كثيرة. فالحداثة ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بالحرية: حرية الكتابة، حرية التعبير...الخ. فقد أشاعت الملائكة أنه يمكن للمرأة ليس أن تكتب شعراً فحسب، بل أن تحرفه عن مساره، تغيّر له قوانينه، وبعبارة واضحة: أن تؤنثه.
حوربت نازك الملائكة كثيراً. فهي ليست امرأة تجرأت ودخلت مقر الرجال المحمي بتاريخ طويل من البطريركية، وبحراس أشداء فحسب، بل دخلته بشروطها هي، محطمةً العمود الشعري الراسخ، ومؤسسة، بالوقت نفسه، الشعر الحر الذي سمي، أيضاً، شعر التفعيلة. حاربها الشعراء والنقاد بضراوة محاولين نزع الريادة منها من جهة، ومن جهة أخرى متطاولين على بنية قصيدتها، فاعتبروا أن تجديدها مجرد تجديد سطحي قائم على تغيير طفيف بالأوزان والعروض...الخ. ونتيجة هذه الحرب الشديدة تراجعت الملائكة عن شرطها، وامتثلت لشرط الذكورة، فوضعت قوانين للقصيدة الحرة تضاهي قوانين القصيدة العمودية التاريخية، وتراجعت عن بعض المقولات الثائرة التي أطلقتها في بداياتها، ولكن بعد أن تأسست القصيدة الحرة بشكلها الذي لا رجعة عنه، وقد وضعت مجلتا "الآداب" و"شعر" أمر إشاعتها وإطلاقها على عاتقهما، رغم الخلافات الحادة، والحرب البهية بين المجلتين آنذاك.
أمام هذا كان لابد لمشروع الأنوثة من الاستمرار عبر التخطي والتجاوز والعناد وتحمل النتيجة.
في مجلة "شعر" انطلقت صيحة الأنثى عالية ومدوية. كانت الصبية السورية سنية صالح، ابنة مجلة شعر، تتابع وتصغي وتتأمل بصمت وعمق كامل المشهد، وترى في كل نأمة جسد الأنوثة المهدور، وتسمع صوت استغاثاتها من عمق التاريخ، منذ أن أوكلت البشرية أمر قيادتها والتحكم فيها للبطريرك، وقد أسفر ذلك عن ولادة شاعرة عبرت عن الجوهر الأنثوي، وكتبت قصائدها بدماء ليليت والأمازونيات ونساء الموت... ونقلت صيحة الأنثى وقيمها، وقررت إعادة بناء تاريخها وجسدها المهشم... فعلت ذلك بإصرار وعناد وتحملت النتيجة الكارثية وحدها: هُمشت، واستُبعدت، وأُقصيت...
في التأريخ الشعري لسوريا لا نسجل اسم شاعرة كتبت القصيدة الحديثة من جهة، والأنثوية من جهة أخرى، على نحو مكتمل قبل سنية صالح. لقد حازت الريادة من جانبين: الأول، أنها أول امرأة سورية كتبت القصيدة الحديثة كقصيدة مكتملة، وهنا يجب الإشارة إلى أنها حققت انزياحاً أو افتراقاً آخر عن الملائكة وأصحاب القصيدة الحرة أو قصيدة التفعيلة كما تسمى أيضاً، فكتبت قصيدة النثر التي كان محمد الماغوط وأنسي الحاج بدآها وأشاعاها كقصيدة مكتملة. الجانب الريادي الآخر هو أنها كتبت، وهذا نادراً ما حدث في تاريخ الشعرية العربية، القصيدة النسوية، إذا افترضنا أن ليس كل ماتكتبه المرأة يعد نسوياً، وليس كل مايكتبه الرجل يكون ذكورياً، فالنسوية مسألة ثقافية إذاً وليست بيولوجية. ثمة كتابات نسوية صادرة عن رجال، والعكس صحيح أيضاً. فالتأنيث (يقصد ربما النسوية)، فيما يرى عبدالله الغذامي، مرتبط بالخطاب اللغوي، فهو نسق ثقافي يصدر عن الرجال مثلما يصدر عن النساء، كما أن التذكير نسق ثقافي آخر يصدر عن النساء مثلما يصدر عن الرجال. وفي توصيف هذه النقطة المهمة لدى سنية صالح تقول خالدة سعيد: "لاينتسب شعرها إلى شعر النساء كما تمثل حتى الآن، لا إلى أناقته المرهفة وما غلب عليه من العذوبة واللطافة والدعابة، ولا إلى خصوصية أحزانه وحالاته أو خصوصية ثورته، ولا خصوصية ذكائه ولمحه"، وتتابع سعيد أن شعرها "ينبجس من الجوهر الأنثوي الخالق المطعون المسحوق عبر التاريخ، شعر هو صيحة جسد الأنثى... الجسد الذي عبر فوقه الأباطرة والبطاركة والآباء والأزواج، الغزاة والمحاربون والنخاسون، وكل ذي سلطان ...".
بعد سنية صالح كثرت الشاعرات السوريات، فقد ظهر منهن في النصف الثاني من القرن العشرين، وخصوصاً في عقديه الأخيرين، ما يضاهي ماظهر منهن (الحقيقة، ما وصل إلينا) في تاريخ الشعر العربي برمته. ومع هذا قلما نجد شاعرة أنّثت القصيدة مثلما فعلت سنية، وإذا وجدنا فإننا نجد قصائد متفرقة لشاعرة واحدة، أو لهن جميعاً، لا تشكل خطاباً نسوياً في الشعرية العربية، أو حتى على مستوى الشعر في سوريا، طالما أن النسوية مرتبطة بالخطاب اللغوي وليس بالبيولوجيا.
ربما تكون الشاعرة السورية عائشة أرناؤوط من أقرب شاعرات سوريا لسنية صالح، وذلك على مستوى تشكيل بنية الجملة الشعرية، وشحن المعنى بإيحاء فلسفي، أو وجودي معين. لكن أرناؤوط اختارت أن تنقل معنى ذا صلة بالوجود من الوجهة الأنطولوجية: الزمن، الموت، الحياة...الخ. بدأت أرناؤوط بالنشر عام 1981 (ديوان الحريق). في هذه الأثناء كان الشعر قفز قفزة مغايرة مع رياض الصالح الحسين وبندر عبد الحميد وعادل محمود ومنذر مصري...الخ، وذلك فيما أطلق عليه شعر السبعينيات الذي حقق نقلة على مستوى البساطة (إلى حد ما) في الأداء اللغوي، وعدم الانشغال بالبلاغة التي انشغل فيها شعر الستينيات في غالبيته الأعم. ولكن ذلك لم يؤثر على صلة أرناؤوط بشعر الستينيات من حيث انشغاله بالمعاني الكبيرة، وبالتركيب اللغوي الذي يجد القارئ صعوبة حقيقية في فك شيفراته واستكشاف معانيه، وهذا كان أحد العوامل التي منحت شعرها احتمالات تأويلية واسعة.
بعد ذلك أصدرت مرام مصري مجموعة مشتركة مع محمد سيدة ومنذر مصري (أنذرتك بحمامة بيضاء) وفي هذا وضعت مرام تجربتها الشعرية في الإطار العام لتجربة السبعينيات واتخذت من الحب وحالاته قضية مركزية.
فيما وجدت دعد حداد، التي تنتمي إلى التجربة ذاتها، أن العالم إذ يوالي تفسّخه فإن الذات أيضاً تتفسخ وتنهار، وقد غلب الحزن النشيجي على نظرتها هذه إلى العالم وإلى الذات، وقد عبرت عن ذلك بلغة هي أقرب إلى الكلام المتداول من الكلام المكتوب الذي ينطوي على انزياحات قد تؤسس لاحتمالات تأويلية واسعة...
لكن شعر السبعينيات لم يتخذ داخل الشعرية العربية في سورية وضعية تحويلية: ظهر مجموعة من الشعراء وقدموا بضعة أعمال وتفرقوا، وكانت وفاة رياض الصالح الحسين مؤثرة، سلباً، على رسوخ هذا النهج، فلم ترتسم معالم واضحة لهذا النوع من الشعر، وتالياً، لهذه المرحلة برمتها، لا سيما أن محمد الماغوط، وهؤلاء كانوا من سلالته، كان اسماً طاغياً كثر مريدوه وانتسب هذا الشكل الجديد له، فكان على الشعر العربي في سورية أن يحقق قفزة أخرى، فانتظر حتى تسعينيات القرن العشرين ليحقق ذلك.
في المرحلة الشعرية الجديدة في سوريا (مرحلة التسعينيات) تحققت نقلة شعرية مهمة حث كانت الميزة الأكثر أهمية لها هي البحث المحموم عن الشكل والبحث المحموم عن المعنى، وما أدى إليه ذلك من ظهور شبه ساحق لقصيدة النثر، وإفراز مساحة كبيرة لقصيدة التفاصيل وقصيدة غير المعبَّر عنه، والابتعاد، ما أمكن، عن الموضوعات الكبيرة كرد على شعر الحداثة، مع انحسار، كبير أيضاً، لقصيدة المجاز أو القصيدة ذات العلاقات اللغوية الصعبة: من حيث إقامة علاقة بين لفظة وأخرى ليست من ذات النوع، والتي تنطوي على إعادة القرابة الأولى للأشياء، وتخرج من سياق القصيدة التي تعبر عن (معنى) إلى سياق القصيدة التي توصل إلى معنى، إضافة إلى حضور، وإن كان باهتاً، لقصيدة الكولاج التي تحاول الإحاطة بكل شيء.
الميزة الأخرى شديدة الأهمية أيضاً لهذه المرحلة، وما بعدها، ظهور مجموعة كبيرة من الشاعرات، تضاهي كما ذكرت سابقاً، ما وصل إلينا في تاريخ الشعر العربي برمته، يمكن أن أذكر منهن: هالة محمد، ندى منزلجي، لينا الطيبي، رشا عمران، نجوى قلعجي، مياسة دع، إيمان الابراهيم، جاكلين سلام، خلات أحمد، جانسيت علي، سلوى النعيمي، سميرة عزام، رولا حسن، سعاد الخطيب، هنادي زرقة، أميرة أبو الحسن، تهامة الجندي، سونيا سليمان، وأخريات...
مع ذلك لم يتخذ الشعر النسوي الجديد في سوريا، أثناء ظهوره، طابعاً خاصاً ومستقلاً، إن من حيث تطوره التاريخي وعلاقته بالشعرية العربية، وإن من حيث حضوره الراهن ومؤدياته. لقد ظهر ضمن مسيرة الشعر الجديد، ضمن ذات المعطيات، ضمن ذات الاختراقات. بتعبير آخر: ظهر ضمن الحقل اللغوي ذاته. فلا يمكن القول إن ثمة لغة خاصة تظهر في شعر المرأة، أو ثمة معنى خاصاً تؤدي إليه أو تكتشفه علاقات النص اللغوية. الأدوات ذاتها والمؤدى ذاته.
على هذا لا يمكن أن نرمي على أحد وجهي الورقة: الشاعرة المرأة والشاعر الرجل تبعات ما آل إليه الشعر: مستوياته، تعبيراته، قيمه، قيمته، ومؤدياته ضمن الأسس الراسخة للشعر العربي.
لم يظهر الشعر النسوي الجديد، إذاً، ضمن سياق خاص بالكتابة النسوية، كاستجابة، أو إفراز، أو تعبير عن/ أو تأسيس لـ حركة نسائية تنطوي على أهداف خاصة من مثل: مواجهة المجتمع والثقافة البطريركيين، أو إظهار المرأة على أنها صاحبة قضية تاريخية يجب الاعتناء بها وإعلاء شأنها، أو العمل، بلاهوادة، على تأنيث العالم انطلاقاً من تأنيث النص الشعري...الخ.
والحال هذه، فإن ما يميز الشعر الجديد في سورية: مدحاً وذماً، ينطبق على الشعر النسائي أيضاً. إذا كان ذلك كذلك، فإننا لم نلحظ ميزة مختلفة عن هذا لنص المرأة.
إن اللغة التي تشكل نص المرأة الجديد هي اللغة التي تشكل النص الجديد بإطلاقه، وإن حقن اللغة بتلك الحقنة السيميولوجية التي من شأنها أن تضفي معنى أنثوياً على العالم، أو أن تؤنثه، هي ذاتها التي تحقن النص بإطلاقه، وبالطريقة ذاتها يتم الاشتغال على اللغة لتكون شعرية.
ما تقدم ليس من شأنه أن يشكل حكم قيمة على نص المرأة الشعري الجديد في سوريا، إنه مجرد سمات تفيد، ربما، في أن النسوية شأن ثقافي وليس بيولوجياً، فاللغة هي المعنية بالتأنيث، والدلالة حرة التوجه بمعزل عن قصدية الشاعرة أو الشاعر. وفي هذا المعنى ثمة الكثير من الشعر الذي كتبه الرجل أضفى روحاً أنثوية على العالم، وثمة الكثير من نصوص شاعرات ساهم في تكريس النزعة البطريركية شديدة الوطأة في هذا العالم... المعارف الكبرى تتجه نحو إذابة ثنائية رجل- امرأة كثنائية ضدية، وتتجه نحو التنوع والتعدد والاختلاف.

عن مجلة تايكي الأردنية العدد 34 - 2008

تعليق



أشهد أن لا حواء إلا أنت

08-أيار-2021

سحبان السواح

أشهد أن لا حواء إلا أنت، وإنني رسول الحب إليك.. الحمد لك رسولة للحب، وملهمة للعطاء، وأشهد أن لا أمرأة إلا أنت.. وأنك مالكة ليوم العشق، وأنني معك أشهق، وبك أهيم.إهديني...
رئيس التحرير: سحبان السواح
مدير التحرير: أحمد بغدادي
المزيد من هذا الكاتب

لماذا نكتب عن سورية

14-آذار-2020

محمود السيد أعشاب الزمن الحداثي

05-أيار-2010

ماني (216-276م) / أولى محاولات الإنسان التنويرية

24-شباط-2010

الشعر الجديد في سورية.. من قتل الأب إلى إحياء الأخ الأكبر

09-تشرين الثاني-2009

الشعر النسائي الحديث في سوريا

17-أيار-2009

حديث الذكريات- حمص.

22-أيار-2021

سؤال وجواب

15-أيار-2021

السمكة

08-أيار-2021

انتصار مجتمع الاستهلاك

24-نيسان-2021

عن المرأة ذلك الكائن الجميل

17-نيسان-2021

الأكثر قراءة
Down Arrow