Alef Logo
يوميات
              

ثكلى، لا نائحة مستأجرة!

شهلا العجيلي

2009-07-08

ليست الكتابة سوى استثمار لغويّ للكثير من آلامنا، والقليل من أفراحنا! ولعلّ رموزاً تاريخيّة- ثقافيّة هامّة استهلكت في الكتابة منذ ثورة المعرفة إلى اليوم، إلاّ أنّ بعضها يبلي الدهر ويظلّ جديداً، ومنها وفاقاً لما أرى ماء الفرات، الذي طالما عددت مجاورته، والانتماء إليه، سبباً في التفوّق على العالم، وكنت كلّما شربت الماء في أهمّ مدن أوربة، أو آسيا، أو إفريقيا، أردّد: إنّكم تستطيعون أن تشربوا أيّة مياه في العالم، لكنّكم لن تستطيعوا دائماً أن تفتحوا الصنبور، فتتدفّق مياه مقدّسة كمياه الفرات، حيث يُشرب الماء بمرجعيّة تاريخيّة، ودينيّة، وأدبيّة. و لايخفى على المطّلعين أنّ أدياناً سماويّة وأرضيّة عديدة قدّست مياه الفرات، ولعلّ المندائيّة أشدّها تقديساً لها، حيث يشترط التعميد بتلك المياه لدخول الدين، كون الفرات أحد أنهار الجنّة، وإذا ما عرّجنا على الإسلام، فسنجد أنّ الرسول محمّداً صلّى الله عليه وسلّم، قد أخبر بأنّ الفرات من أنهار الجنة، وروي أن أبا عبد الله جعفر بن محمد الصادق شرب من ماء الفرات، ثم استزاد، واستزاد، فحمد الله وقال: نهر ما أعظم بركته، ولو علم الناس ما فيه من البركة، لضربوا على حافتيه القباب، ولولا ما يدخله من الخطّائين، ما اغتمس فيه ذو عاهة إلا برئ.
تحفل المدوّنة الشعريّة العربيّة بذكر الفرات، وتقارن طيّبات الدنيا، من وصل الملوك العظام ووصل النساء المحبوبات، بطيب مائه ، من ذلك قول عمر بن أبي ربيعة:

خُبّرتُ ما قالت، فبتُّ كأنّما رُمي الحشا بنوافذ النشابِ

أسكبن، ما ماءُ الفرات وطيبُه منّا على ظمأ وحبّ شرابِ

بألذَّ منكِ، وإن نأيتِ، وقلّما ترعى النساءُ أمانةَ الغيّابِ

يتحدّى اليوم ماء الفرات الوصف الفيزيائيّ التقليدي للماء، الذي يقول إنّ الماء سائل بلا لون، ولا طعم، ولا رائحة، وهذا ليس تحدّياًَ مجازيّاً تضفيه القدسيّة، بل هو وصف حقيقيّ لماء الفرات الذي ينساب من صنابير مياه بيوت أهل الرقّة، فله لون أحمر ترابيّ بعد كلّ هبّة غبار، وله طعم ممجوج مثقل بمادة الكلور، ولم تظهر رائحته إلى اليوم، مع توقّع ظهورها في المستقبل، إذا ما بقيت محطّات التنقية على حالها من الإهمال والأداء التقليديّ.
في مكوثي الأخير في الرقّة، عافت نفسي ذلك الماء الذي لم أكن أستطيع عنه صبراً، واستبدلت به الماء المعدنيّ، المعدّ للبيع، وحدث أن نفد من عندي، وكذلك من عند الدكّان الذي بجانب البيت، فبقيت عطشى طوال الليل، ونفسي لا تطاوعني بشرب ذلك السائل الملوّن، وفي الصباح غادرت الرقّة عطشى والفرات بين يديّ، وتذكّرت قصيدة محمد علي شمس الدين التي يقول فيها:
تأخرت عنا قليلاً!
قلت : ياسيدي /طويل طريقي / وساقاي متعبتان / ولم تكن الريح تمشي على مشتهاي .‏
قال: سر عكس ماتشتهي الريح‏
قلت : والماء ياسيدي ؟‏
قال: أجمل من عبروا في الفرات العطاش ..‏
قلت : اسق العطاش إذن ياسيدي، صبَّ لي، وبكى‏
لم أكن أعلم أن الفرات بعيد /ولكنه في يدي‏
قرأت كثيراً من المقالات في الصحف السوريّة، تدعو إلى الحدّ من تلوّث مياه الفرات في الرقّة، والتي تفتح ملفّات فساد عديدة، كما قرأت الردود عليها من قبل الإدارات والمسؤولين، لكنّني الآن لا أبحث فيها، ولا في أنواع الأوبئة المتوقّعة، ولا في نسبة التلوّث المسموح بها عالميّاً، ولا في مشاريع تطوير محطّات التنقية، ودورها في مسيرة التنمية. أتكلّم الآن بوصفي مواطناً عطشان، مواطناً يتكوّن من الماء، والتاريخ، والدين، والأدب، ولد على الفرات، وانتمى إلى ثقافته، ولأنّ الثكلى ليست كالنائحة المستأجرة، فسنبقى نبتهل بأقلامنا، ونجيّر هذا الألم لصالح اللغة، إلى أن تُسقى العطاش!
النشر الورقي القدس العربي- لندن





تعليق



أشهد أن لا حواء إلا أنت

08-أيار-2021

سحبان السواح

أشهد أن لا حواء إلا أنت، وإنني رسول الحب إليك.. الحمد لك رسولة للحب، وملهمة للعطاء، وأشهد أن لا أمرأة إلا أنت.. وأنك مالكة ليوم العشق، وأنني معك أشهق، وبك أهيم.إهديني...
رئيس التحرير: سحبان السواح
مدير التحرير: أحمد بغدادي
المزيد من هذا الكاتب

النكوص النسويّ في الحراك العربيّ

04-كانون الأول-2011

لجوء ثقافيّ : الدكتورة

31-تموز-2009

أحجار كريمة

12-تموز-2009

ثكلى، لا نائحة مستأجرة!

08-تموز-2009

أموت.. وفي نفسي شيء منك

30-حزيران-2009

حديث الذكريات- حمص.

22-أيار-2021

سؤال وجواب

15-أيار-2021

السمكة

08-أيار-2021

انتصار مجتمع الاستهلاك

24-نيسان-2021

عن المرأة ذلك الكائن الجميل

17-نيسان-2021

الأكثر قراءة
Down Arrow