Alef Logo
المرصد الصحفي
              

النكوص النسويّ في الحراك العربيّ

شهلا العجيلي

2011-12-04

يمكن القول إنّ التحوّلات السياسيّة الأخيرة التي عمّت البلاد العربيّة، بدأت تفرز ظواهر مستحدثة، بل راحت تحيي ظواهر قديمة، عملت المستجدّات السياسيّة الأخيرة على تحريكها في ما يخصّ المرأة.
وأودّ أن أشير بداية إلى ظاهرتين نسويّتين متطرّفتين أفرزهما الحراك العربيّ الأخير، هما ظاهرتا الشابة المصريّة (علياء المهدي)، صاحبة مدوّنة (مذكّرات ثائرة)، والتي نشرت صورها عارية على موقعها على الفيسبوك، بوصفها تجلّياً من تجلّيات الحريّة التي نشدتها ثورة شباب25 يناير في مصر، كما تقول هي بذاتها، والظاهرة الأخرى هي ظاهرة مرشّحة (حزب النور الإسلاميّ) الذي يمثّل السلفيين في مصر، لـمجلس الشعب، عن محافظة الدقهليّة، وهي (مروة إبراهيم القمّاش)، والتي وضع الحزب في قائمته وردة محلّ صورتها، وحينما احتجّ الناس على ذلك، وضع الحزب صورة لزوجها، موضحاً أنّها حرم الأستاذ (إسماعيل مصطفى).
إنّ الحراك الاجتماعيّ السياسيّ الأخير الذي انتاب بعض البلدان العربيّة، والذي سمّي في بعضه ثورة، وفي بعضه الآخر انتفاضة، أو احتجاجات، لم يضف حتّى الآن قيمة إيجابيّة إلى نضال المرأة النسويّ، ذلك أنّه لم يحقّق لها أيّة مكتسبات تذكر، وقد يقول قائل: إنّ المرأة قد خرجت إلى الشارع جنباً إلى جنب مع الرجل، في مظاهرات مناهضة للأنظمة، أو في مسيرات مؤيّدة لها، ورفعت الشعارات، وهتفت، فأسهمت في إسقاط بعض الأنظمة!
لابدّ من الإشارة في هذا الإطار، إلى أنّ المرأة لم تفعل شيئاً تخرج فيه على الدور الذي رسم لها لتكون ضحيّة، إذ كانت المرأة في ذلك الحراك أداة بيد المركزة الذكوريّة، تصيح كما يصيح الآخرون: (الشعب يريد إسقاط النظام)، أو تسهم ببعض الظهور الإعلاميّ، في الحشد ضدّ نظام قائم من غير أن تتكلّم بلسانها، أو تطالب بحقوق خاصّة بوضعها الجندريّ، لا فرق في ذلك بينها وبين أي رجل آخر، من الكتلة المعارضة ذاتها، إنّها ليست أكثر من أداة بيد المركزيّة الذكوريّة، ليس لها برنامجها الصادر عن خصوصيّتها الثقافيّة، وليس لها رؤيتها الخاصّة المرسومة بأثر من وعيها النسويّ، ومن تجربتها التاريخيّة مع كلّ من النسق الثقافيّ والأنظمة الحاكمة. لم يبد أن النساء في الحراك السياسيّ العربيّ الأخير، قد وازنّ بين المكتسبات التي سيحقّقها الإصلاح أو النظام المقبل، وبين المكتسبات التي نلنها من النظام السابق، لذا لم يمتلكن رؤية لتصوّر البدائل المفيدة لهنّ بوصفهنّ عناصر ثقافيّة يخضعن للموازنة الجندريّة، بل لعلّ نكوصاً حقيقيّاً أصاب الرؤية النسويّة في هذا الحراك، استعملت فيه المرأة من قبل المعارضين أو الثوّار، بطريقة مستفزّة جاهليّة، إذ تمّ إحياء فكرة اغتصاب النساء من قبل الأطراف المتعارضة، وترويج هذه الفكرة ليضرب بها كلّ فريق الفريق الآخر، فيستثير بذلك الرأي العام، وما هذا سوى فساد قيميّ جندريّ، استعملته بعض الأجنحة المعارضة سواء كانت إسلاميّة أوليبراليّة، للإساءة إلى الجيوش الوطنيّة، عبر إحياء هواجس اجتماعيّة ثقافيّة نسقيّة تخصّ المرأة، وتتعلّق بالشرف، بشكل رئيس، تلك الهواجس التي عملت الموجات النسويّة طويلاً لمحاربة فكرة توظيفها في سياسة حشد الأحقاد، إذ سعت منذ بدايتها إلى تحويل قيمة الشرف إلى قيمة الكرامة، وربط ذلك بالعمل والإنتاج. أمّا الحضور الرمزيّ للمرأة في المجالس الانتقاليّة للمعارضات العربيّة، فليس أكثر من (بروباغندا) سياسيّة، تبدو فيها المرأة مزروعة مثل نباتات الزينة، لا تمثّل فكرها ولا رؤيتها الصادرة عن خصوصيّتها الثقافيّة، ولم تعبّر حتّى الآن عن مطالبها المختلفة عن مطالب الآخر، وما ذلك إلاّ لأنّ وجود شكل نسائيّ، لا نسويّ، ضرورة سياسيّة لصالح التيّار أو الحزب، يقنع به الرأي العام بإيمانه بالمساواة الجندريّة، والتي تعدّ إشارة ديموقراطيّة هامّة.
لعلّ هذا الشكل للمشاركة النسائيّة في رسم مستقبل البلاد، ورسم مستقبل النساء فيها في آن معاً، ليس سوى إحياء للتقاليد البائدة التي حاربتها حركات التحرّر عالميّاً منذ مطلع القرن العشرين، إذ 'يجب على البلاد المتخلّفة أن تتحاشى الاستمرار على التقاليد الإقطاعيّة التي تغلّب عنصر الرجال على عنصر النساء. يجب أن تنال النساء منزلة كمنزلة الرجال سواء بسواء، لا في مواد الدستور بل في الحياة اليوميّة، في المصنع، وفي المدرسة، وفي المجالس. '.
لا بدّ من القول إنّنا إذا ما كنّا نطالب الأنظمة ضمن حركة الإصلاح أو التغيير، بتحقيق مكتسبات غير مسبوقة للنساء، فإنّنا بالمقابل نطالب النساء ألاّ يكن أداة للفساد والإفساد، إذ على النساء الإيمان بدورهنّ التاريخيّ، و بمسؤوليّتهنّ الحقيقيّة، وفي هذا السياق لابدّ من أن يرفضن أن يكنّ جزءاً من البطالة المقنعة، فلا يكنّ عبئاً على الدولة ومواردها، يبحثن عن عقود عمل وهميّة، فقط لقبضن معاشهنّ في آخر الشهر بلا إنتاج حقيقيّ، ولعلّنا جميعاً نعرف الممارسات النسائيّة في الدوائر والمؤسّسات الحكوميّة في دولنا العربيّة، التي تحاول فيها الموظّفة أو العاملة، الخروج قبل انتهاء الدوام، لتلتحق ببيتها أو بالتزاماتها الأخرى، وكأن ذلك مغنماً، أو أنّها ترمي بما أوكل إليها من مهمّات إلى زميلها الرجل، وما إلى ذلك من ممارسات خاطئة.
لا بدّ للنساء من أن يخترن النظام الذي تكون فيه المرأة شريكة حقيقية في الحكم، والإدارة، والتنمية، لا أن يكنّ ذوات حضور وهميّ، في نظام يجعل منهنّ أداة بيد المركزة. إنّ هذه المرحلة التاريخيّة من حياة المنطقة العربيّة، التي تعاد فيها صياغة الحيثيّات الكبرى، هي فرصة للنساء ليجدن سبيلاً للفكاك من الدور النسقيّ، والاستعمال الجندريّ، لذا عليهنّ أن يحوّلن ما يعامل على أنّه خاصّ ومحدّد، وليس فيه مصلحة عامة للشعب، إلى ما هو سياسي، لا أن ينتظرن، كما يفعلن دائماً، أن يفضي السياسيّ إلى ما هو خاص بهنّ. ولا يتحقق ذلك الهدف إلا بإنتاج خطاب محدّد، بلغة مختلفة عن لغة المعارضة السائدة، التي تظنّ أنّها تطرح المرأة بوجه جديد، لكنّها تستعملها لصالح مطامعها السلطويّة فحسب، فاللغة هي التي ستساهم في بناء الهويّة الذاتيّة، وعلى النساء إنتاج هذه الذات في هذه المرحلة التي تتخلخل فيها الأنساق لتعيد تشكيلها من جديد.
لا يترتّب على النساء، كي يثبتن مكانتهنّ، أن يتبنين قضايا الرجال ذاتها، كما يفعلن اليوم، فدفاعهنّ عن حقوقهنّ الخاصّة أجدى وأهمّ من دفاعهنّ عن الحقوق الكونيّة، وذلك ما أثبتته التجربة التاريخيّة، لذا على المرأة أن تشكّل هويّتها كما تريد، وكما تحتاج، فثمّة الكثير من القضايا العالقة التي تزيد من عذابات المرأة اليوميّة، ومنها قيم السوق التي تفرضها التشكّلات الاقتصاديّة العربيّة الجديدة، التي تفاجأ فيها المرأة بفصلها من عملها واستبدالها بأخرى، أو بعدم تجديد عقدها، فقط لأنها نالت حقها في إجازة الأمومة، أو مثل نيلها وظيفة عند تحقيقها معايير جماليّة شكليّة محدّدة، توقعها في مهاوي العقد النفسيّة، هذا فضلاً عن مشكلاتها التاريخيّة التي لم تجد لها حلولاً مريحة أو سعيدة حتّى اليوم، من مثل حقّ منح جنسيّتها لأولادها، أو حقّها في احتفاظها بجنسيّتها الأصليّة إذا ما تزوّجت ممن ينتمي إلى جنسيّة أخرى، لدى بعض الدول، وكذلك الطلاق، والحضانة، والإرث، ورياض أطفال العاملات، والتعليم، والمهر، واختيار الشريك من غير ضغوط عرفيّة، ولعلّ الإطار النظريّ الحاضن لمعظم هذه القضايا هو فكرة تحويل قيمة الشرف إلى قيمة الكرامة.

عن القدس العربي

كاتبة من سورية


تعليق



أشهد أن لا حواء إلا أنت

08-أيار-2021

سحبان السواح

أشهد أن لا حواء إلا أنت، وإنني رسول الحب إليك.. الحمد لك رسولة للحب، وملهمة للعطاء، وأشهد أن لا أمرأة إلا أنت.. وأنك مالكة ليوم العشق، وأنني معك أشهق، وبك أهيم.إهديني...
رئيس التحرير: سحبان السواح
مدير التحرير: أحمد بغدادي
المزيد من هذا الكاتب

النكوص النسويّ في الحراك العربيّ

04-كانون الأول-2011

لجوء ثقافيّ : الدكتورة

31-تموز-2009

أحجار كريمة

12-تموز-2009

ثكلى، لا نائحة مستأجرة!

08-تموز-2009

أموت.. وفي نفسي شيء منك

30-حزيران-2009

حديث الذكريات- حمص.

22-أيار-2021

سؤال وجواب

15-أيار-2021

السمكة

08-أيار-2021

انتصار مجتمع الاستهلاك

24-نيسان-2021

عن المرأة ذلك الكائن الجميل

17-نيسان-2021

الأكثر قراءة
Down Arrow